الى جميع الاعضاء والزوار ..... نرجوا التوجه لقسم الا لعاب والمسابقات لترشيح عضو للجلوس على كرسي الاعتراف ....... للدخول من جوجل اكتب دريــــــــــمز
العودة   ღ منتديات انفينيتي دريمز ღ > موسوعة انفنيتي > موسوعة الكتب الاسلامية


الإهداءات
تغاريد : سلوى شاهين شوكلاته الحياة ابتسامه تسلموووون حبايبي ومانحرم منكم يارب     الحياه ابتسامه : هلا والله وغلا بغرودة المنتدى مساء الفل والياسمين نورتي يالغلا     شوكلاتة : مســـــــاااء الفل والجووووري والياسميـــــن حبيبتـــــــي [[[ غرووووودهـ ">">"> وحشتينــــااااااااا وبقووووووووهـ يالغــــلااااااااا     سلوىشاهين : مساء النور والسرور حبيبتي تغاريد الحمد لله على سلامتك هلا وغلا     تغاريد : مــســـاء الـــ خ ــــير لــجــمــيع المتواجدون واتمنى لكم اسعد الاوقات    

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: درجات الحرارة الآن و مباشرة من بعض مدن المملكة {{{ تتحدث كل دقيقة }}} (آخر رد :تغاريد)       :: نصائح طبيه يقولون مجربه والله اعلم للبنات (آخر رد :رهف)       :: سامحني لكن سوف أجعلك تبتسم : ) .... (آخر رد :رهف)       :: حلى فاخر ولذيذ .... (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: عقوبة الذي يجمع الصلاة بدون عذر؟؟؟ (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: سك الباب على يد العضو اللي تختاره..... (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: [*[*[ لعبــــــــــ [[ آمـــر تدلل ]] ـــــــــــــة ]*]*] (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: لعبة تحدي بيين الشباب والبنات ؟ نشوف الغلبه لمين (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: [[[[[[[[[ الــــــــووورد لـ ......... ؟؟؟ ]]]]]]] (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: اكتب كلمة بدون نقاط !!!?? (آخر رد :الحياه ابتسامه)      


كتاب علم الإيمان

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 05-16-2008, 05:31 PM
الصورة الرمزية رحــــ R7aal ـــااالــ
][][][ اآلآدآرة ][][][
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: المملكه العربيه السعوديه
المشاركات: 2,370
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى رحــــ R7aal ـــااالــ
Lightbulb كتاب علم الإيمان

كتاب علم الإيمان لـ فضيلة الشيخ العلامة عبدالمجيد الزنداني حفظه الله







علـم الإيمـان

تعريف العلم : هو ما تنكشف به الأمور على حقائقها(1) .

تعريف الإيمان

الإيمان لغة : مصدر آمن يؤمن إيمانا، قال ابن فارس(2):" أمن": الهمز والميم والنون أصلان متقاربان، أحدهما الأمانة التي هي ضد الخيانة ومعناها سكون القلب(3)، والآخر التصديق(4)، والمعنيان متدانيان فأما التصديق فكقول الله تعالى حكاية عن قول إخوة يوسف عليه السلام لأبيهم يعقوب عليه السلام﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾. (يوسف:17)(5).

أما في الشرع

1- فقد جاء الإيمان بمعنى التصديق – وهو المعنى اللغوي – كقوله تعالى﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ (يوسف:17)

وعبر القرآن عن الإيمان بلفظ اليقين القائم على الدليل، كما قال تعالى ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (البقرة:4)، وكما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام:75).

والتصديق واليقين عملان من أعمال القلب .

ومن العلماء من يعرف الإيمان بأنه قول وعمل ويسمى هذا قول القلب(6).

وهذا المعنى الذي يكون في القلب يضاده الكفر ، وهو الجحود والتكذيب. وذهب بعض العلماء إلى أن هذا المعنى الذي يكون في القلب هو المعنى الوحيد للإيمان(7).

2- ويأتي الإيمان في الشرع أيضاً بالإعلان عنه بالقول .

قال تعالى : ﴿قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا… ﴾ (البقرة:136).

وقال تعالى ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ(1)لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ﴾ (الكافرون:1-2)

وقال تعالى : ) قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ ( (الإخلاص :1-2) .

وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ (النساء:94) أي لمن قال كلمة الإسلام(8) .

وقال صلى الله عليه وسلم : (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ....)(9).

وهذا يدل على أن الإيمان يكون بالقول . ومعلوم أنه لا يشهد بالإسلام لكافر إلا إذا نطق بالشهادتين، إلا أن يكون أخرساً فيقبل منه ما يدل على إيمانه .

3- ويأتي الإيمان في الكتاب والسنة بمعنى العمل ، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ (البقرة:143) أي صلاتكم التي كانت القبلة فيها إلى بيت المقدس، كما جاء ذلك في أسباب نزول الآية .

وقال تعالى : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (الحجرات:15) أي في إيمانهم، وقد اشتمل وصف الإيمان على عمل الجهاد.

وقال عليه الصلاة والسلام : (الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ) وإماطة الأذى عن الطريق عمل من الأعمال . وفي تتمة الحديث : (وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ)(10) وقال عليه الصلاة والسلام: (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا)(11) والأخلاق من الأعمال، وقال عليه الصلاة والسلام لوفد عبدالقيس: (... آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَهَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَتُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ)(12) وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وتأدية الخمس كلها أعمال دخلت في مسمى الإيمان. ومما سبق يتبين لنا أن الإيمان : اعتقاد بالجنان ، وإقرار باللسان ، وعمل بالأركان كما قال أكثر العلماء(13) .

تعريف علم الإيمان
هو علم يبحث في إثبات العقائد الدينية بالأدلة اليقينية العقلية والنقلية التي تزيل كل شك، وهو العلم الذي يكشف باطل الكافرين وشبهاتهم وأكاذيبهم ، وبه تستقر النفوس، وتطمئن القلوب. كما يبحث هذا العلم في الأقوال والأفعال التي يتحقق بها الإيمان ويزداد، وتلك التي تنقصه أو تنقضه وتحديد ضوابط ذلك .

مجالات علم الإيمان

علم الإيمان يبحث في عدة مجالات :

1 - في مجال الإيمان بالله وأدلته ، ومعرفة أسماء الله وصفاته وأدلتها .

2 - في مجال الإيمان برسل الله ، ومعرفة ما يجب لهم من حقوق ، وما يتصفون به من صفات، كالصدق والأمانة، وما لا يجوز في حقهم كالكذب والخيانة، وكذلك معرفة معجزاتهم ، وبينات رسالتهم ، وخاصة معجزات وبينات وأدلة رسالة محمد صلى الله عليه وسلم .

3 - في مجال الإيمان بالكتب الإلهية التي أنزلها الله هداية لعباده عبر التاريخ البشري الطويل ، وبيان ما طرأ على الكتب السابقة من تحريف وتبديل ، وبيان حفظ الله للقرآن من كل تحريف وتبديل ، وهيمنته على ما سبق من الكتب .

4 - في مجال الإيمان بالملائكة وصفاتهم ، وما يقومون به من أعمال ، وصلتهم بنا في الدنيا والآخرة ، قال تعالى ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ (البقرة:285).

5 - في مجال الإيمان باليوم الآخر وأدلته ، وما أعد الله فيه من ثواب للمؤمنين وعقاب للكافرين.

6 - في مجال الإيمان بالقدر : خيره وشره الذي يسير عليه كل ما في الكون، وما يتضمنه من مشيئةٍ وكتابةٍ وخلقٍ .

ولقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإيمان فقال : (... أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ...)(14).

7- البحث في العبودية لله ، وإخلاصها له ، وبيان ما ينافيها ، وبيان أنها الغاية من خلق الإنسان في الحياة الدنيا قال تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (الذاريات:56) .

8- البحث في الأقوال التي يتحقق بها الإيمان ويزداد ، والأقوال التي تعارض الإيمان أو تناقضه .

9- البحث في الأعمال التي يتحقق بها الإيمان ويزداد ، والأعمال التي تعارضه أو تناقضه وتخرج صاحبها من دائرته ، والضوابط المتعلقة بذلك .

10- الرد على شبهات الكافرين والمبطلين .

11- الرد على الفرق المنحرفة ، وصيانة الإيمان من تحريفاتها وتأويلاتها الباطلة.

مكانة علم الإيمان بين سائر العلوم :

إن شرف كل علم بقدر شرف موضوعه، ومجال بحثه، فإذا كان الطب أشرف من النجارة ، فإنما ذلك لأن ميدان بحث النجارة هو الأخشاب ، وميدان بحث الطب هو الأجسام البشرية. أما شرف علم الإيمان فيستمد من شرف مجالات بحثه، وهل هناك ما هو أعظم من الله خالق الكون؟ وهل هناك من هو أكرم من رسل الله من بني البشر؟ وهل هناك ما هو أهم من معرفة الإنسان بدينه ، والحكمة من وجوده في الدنيا ؟ والمصيرُ الذي ينتظره بعد موته؟ لذلك فعلم الإيمان هو أصل العلوم الإسلامية ، وأفضل العلوم، وأهمها على الإطلاق .

حكم تعلمه

إن تعلم علم الإيمان فرض عين على كل مسلم ومسلمة ، حتى يتوافر اليقين القلبي والاقتناع العقلي لديهما أنهما على الدين الحق .والقدر من العلم الذي يصل بالإنسان إلى هذه الدرجة من اليقين هو فرض العين عليه، بحيث إذا وجد نقص فيه عنده فهو مقصر في أداء ذلك الفرض . فلو أن شخصاً جاءته شبهة تشككه في إيمانه فقد أصبح من فروض العين عليه أن يتخلص من تلك الشبهة، وأن يبحث عن جوابها والرد عليها ، وأما ما زاد على ذلك فهو فرض كفاية، كأن يعرف الرد على جميع شبهات الملاحدة، أو يعرف جميع الردود على الفلاسفة أو الفرق المنحرفة ، أو يعرف جميع الردود على أهل الأديان المحرفة ، أو يعرف الأدلة الواسعة في خلق السماوات والأرض بالتفصيل، فهذا فرض كفاية يجب أن يوجد في أمة محمد صلى الله عليه وسلم من يعرف ذلك، بحيث لو جاءنا يهودي مثلاً فألقى شبهة فلابد أن يوجد منا من يرد على تلك الشبهة ، ولو جاءنا متفلسف أو منحرف وألقى شبهةً فلابد أن يوجد من يرد على تلك الشبهة، وهكذا .. ويتعين على من وقعت في نفسه شبهة من شبه هؤلاء أن يتعلم العلم الذي يردها به .

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ﴾ (الحجرات:15).

وقال تعالى : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾ (محمد:19) وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ (الرعد:19) فالعلم الذي يصل بك إلى هذه الدرجة من اليقين متعين عليك

القرآن كتاب الإيمان الأكبر :

إن الموضوع الأساسي في القرآن هو موضوع علم الإيمان ، فإنك لا تجد صفحة في كتاب الله تخلو من الدعوة إلى الإيمان بالله ، أو برسله ، أو باليوم الآخر، أو بالملائكة، أو بالكتب الإلهية السابقة، أو بالقدر الذي سنه الله لسير هذا الكون ، أو الرد على شبهات الكافرين ، أو بيان الأقوال والأفعال التي تثبت الإيمان أو تنقضه ، أو بيان ما يتعلق بعبادة الله وحده. والقرآن المكي الذي نزل بمكة قبل الهجرة لمدة ثلاثة عشر عاماً يكاد يكون كله حول الإيمان وما يتصل به.

اهتمام المسلمين بعلم الإيمان

إن عناية المسلمين بهذا العلم مستمدة من عناية القرآن به، فقد كان همهم الأكبر هو الدعوة إلى دين الله بالحكمة والموعظة الحسنة أي بما يقدمه علم الإيمان من أدلة وبراهين لتثبيت اليقين(15) ودعوة الناس للإيمان ، وإخلاص العبادة لله ، والرد على كل ما يعارض الإيمان. واستمرت عناية المسلمين به مدةً طويلة، ثم طرأ على علوم الإيمان الكلام والفلسفة والتقليد ثم الإهمال ثم غزي المسلمون بشبهات وشكوك العلمانية المادية والإلحاد.

إهمال المسلمين لهذا العلم

لما أهمل المسلمون بناء الإيمان الصحيح الذي يقوم على العلم والدليل والبرهان الذي يثمر اليقين بدأ الخلل يتسرب إلى إيمان كثير منهم، و إلى أعمالهم وانعكس ذلك ضعفاً في عبادتهم وأخلاقهم وسلوكهم ، وأخذ الفساد في الاتساع حتى سهل على أعدائهم الهيمنة عليهم ، واحتلال بلادهم واستذلالهم في أرضهم وديارهم.

أهمية الإيمان لقبول العمل

إن الذين لا يؤمنون بالله ، ولا يرجون ثوابه ، ولا يخافون عقابه يعملون أعمالهم وهم لا يريدون بها وجه الله ، فهم بهذا لا يستحقون الثواب عليها ؛ لأنهم لم يقصدوا بها وجه الله ، بل الكافر معاقب على كفره وضلاله ؛ لأنه أعرض عن الاستجابة لدين الله أو كذب به، فهو إذا سمع آيات الله تتلى عليه اتخذها هزواً؛ لذلك فهو معاقب على كفره، وعمله مردود، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ (الفرقان:23) " أي لا وزن له ولا قيمة ، وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ (إبراهيم:18) فترى أعمال الخير كالصدقة والأعمال الانسانية محسوبة في ميزان المؤمن يوم القيامة، لكنها عند الكافرين كلها ضائعة، لا تحسب لهم، ولا تكون في ميزانهم، فكل أعمالهم تذهب هباءً منثوراً؛ لأنها لم تبن على الإيمان، ولم يقصد بها وجه الله .

قال تعالى : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (النور:39) .

شبهه

يقول بعض المفتونين بمظاهر الدنيا كيف لا يثيب الله من اخترع الكهرباء ، ومن اخترع الطائرة ، ومن اخترع العلاج ، والذي يداوي المرضى ، ويذهب عنهم آلامهم ، والذي يصلح الطرق ، والذي يبني ويشيد العمارات ، فهل أصحاب هذه الأعمال العظيمة لا يأجرهم الله عليها ؟! وذلك الشخص العاكف في المسجد الذي لم يفد البشرية بشيء يؤجر ويدخل الجنة ، وذاك يدخل النار ، هل هذا من العدل ؟! هذه شبهة كم فتن بها من الناس ! وكأنهم يريدون أن يقولوا : ما دُمتَ قد فعلت خيراً وأحسنت إلى الناس وعملت الصالحات، فإن الله سبحانه وتعالى سيقبل منك ذلك ، وسيأجرك عليه !! هكذا يتصورون الثواب والعقاب بموازين وضعوها من عند أنفسهم ، ويريدون فرضها على الله ؛ ولكي يتضح الجواب نضرب المثال الآتي:

مثال ورد

دخل رجل إلى بستان كبير لا يملكه فوجد فيه الفواكه ، وأنواع المأكولات ، فأكل وشرب، ثم أخذ يقوم بأعمال داخل البستان ، هذه الشجرة يقلعها ، وتلك يغرسها ، وهذا الجدار يهدمه ، وهذه الحفرة يردمها ، وهذه المسالك يغيرها ، ودخل البستان رجل آخر فقال لنفسه : "لن أفعل شيئاً في هذا البستان حتى أتصل بصاحب البستان، أو من يمثله وينوب عنه" ، وأخذ يبحث عنه فإذا بمندوب صاحب البستان يصل إليهما ، فاستنكر المندوب أعمال الشخص الأول ، ولكن ذلك الشخص لم يهتم بإنكاره ، وأخذ يتصرف بالبستان بدون إذن من مالكه . أما الشخص الثاني فقد سمع التوجيهات من مندوب صاحب البستان ، وأخذ يعمل طبقاً لها، فأيهما يستحق المكافأة ؟!

وهل يستحق ذلك الذي اقتحم البستان ، وسخر من توجيهات صاحب البستان التي حملها مندوبه مكافأةً ولو عمل عملاً صالحاً في البستان؟ لا شك أن كل عاقل يقول : إن الجزاء للذي اتبع إرشادات صاحب البستان، وإن الذي اقتحم البستان ، وأخذ يعمل فيه كما يشاء بدون رضا صاحبه ومالكه رغم وصول من ينذره ، لا شك أنه لا يستحق الجزاء الحسن ولو أحسن في بعض أعماله ، بل يستحق التأديب.

وكذلك هذه الأرض وما فيها ملك لله ، ورسل الله هم المندوبون ، والمؤمن هو الذي عمل طبقاً لهدى ربه، والكافر هو الذي يتصرف في ملك ربه بدون إذن أو هداية ، وهو في نفس الوقت قد أعرض عن رسل ربه ، فكيف يستحق الثواب من الله من لم يقصد بعمله الثواب منه ، وتكبر على رسله ، واستخف بهدى خالقه ، وأعرض عنه، وارتكب المعاصي والذنوب التي نهى الله عن ارتكابها ؟ وسنة الله في هؤلاء الكافرين أن توفى إليهم أعمالهم في الحياة الدنيا .

قال تعالى﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ(15)أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (هود:15-16).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً يُعْطَى بِهَا فِي الدُّنْيَا وَيُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِ مَا عَمِلَ بِهَا لِلَّهِ فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الْآخِرَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةٌ يُجْزَى بِهَا)(16).

قال القرطبي(17) عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (التوبة:53) . قال : وتسمية ما يصدر عن الكافر حسنةً إنما هو بحسب ظن الكافر ، وإلا فلا يصح منه قربة ؛ لعدم شرطها المصحح لها وهو الإيمان(18) .





--------------------------------------------------------------------------------

(1) قال في اللسان : العلم : نقيض الجهل (مادة علم) قال أبو البقاء : العلم : معرفة الشئ على ما هو به ، وهو أيضاً حصول صورة الشئ في العقل، والمعنى الحقيقي للفظ العلم هو الإدراك، ويطلق على ثلاثة معان بالاشتراك:

أولها : نفس الإدراك ، الثاني: الملكة المسماة بالعقل حقيقة ، الثالث : نفس المعلومات . أنظر الكليات صـ610-616 باختصار ، وأنظر عدداً من التعاريف للعلم في إرشاد الفحول للعلامة الشوكاني 1/18-20.

(2) أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا الرازي لغوي حاذق مؤلف ، له معجم مقاييس اللغة توفي عام 395هـ .

(3) وفي لسان العرب : قالوا للخليل : ما الإيمان ؟ قال : الطمأنينة ، وقال الزجاج : الإيمان إظهار الخضوع والقبول للشريعة ولما أتى به النبي صلى الله عليه وسلم وتصديقه بالقلب ، قال الراغب في المفردات : الإيمان هو التصديق الذي معه أمن.

(4) وقد نقل في لسان العرب الاتفاق بين أهل اللغة وغيرهم على أن الإيمان في اللغة التصديق ، وانظر الخلاف فيما يدل عليه لفظ الإيمان في اللغة في شرح العقيدة الطحاوية ص379-382 .

(5) معجم مقاييس اللغة (مادة أمن) بتصرف .

(6) شرح العقيدة الطحاوية ص341 تخريج الألباني ، وانظر تجريد التوحيد للمقريزي ص117 .

(7) ممن ذهب إلى ذلك أبو منصور الماتريدي عزاه إليه ابن أبي العز شارح الطحاوية انظر "تقريب وترتيب شرح العقيدة الطحاوية" لخالد فوزي عبدالحميد حمزة 1/159 .

(8) قال القرطبي رحمه الله : أي لا تقولوا لمن ألقى بيده واستسلم لكم وأظهر دعوته لست مؤمناً وقيل : السلام قوله: السلام عليكم وهو راجع إلى الأول لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده. أنظر الجامع لأحكام القرآن 5/336 نشر مؤسسة مناهل العرفان .

(9) أخرجه البخاري ك/الزكاة ب/ وجوب الزكاة ومسلم ك/ الإيمان ب/ الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لاإله إلا الله محمد رسول الله ، وأبو داود ك/ الزكاة ، والترمذي ك/ الإيمان ب/ ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ، والنسائي ك/ الزكاة ب/ مانع الزكاة.

(10) رواه البخاري ك/ الإيمان ب/ أمور الإيمان ومسلم ك/ الإيمان ب/ بيان عدد شعب الإيمان ، وعند البخاري بضع وستون بدون شك وعند مسلم بالشك، وبلفظ بضع وسبعون بدون شك. وأخرجه الترمذي في الإيمان ب/ ما جاء في استكمال الإيمان ، وأخرجه النسائي في الإيمان وشرائعه ب/ ذكر شعب الإيمان ، وأخرجه أبو داود في السنة في رد الإرجاء، وأخرجه ابن ماجة في السنة ب/ في الإيمان ، وأخرجه أحمد في مسنده 4/148 وابن حبان في صحيحه 1/384 .

(11) أخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين، والترمذي ك/الإيمان عن رسول الله ب/ ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه ، وأبو داود ك/ السنة ب/ الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه، وابن حبان في صحيحه 2/227، والحاكم في المستدرك ك/ الإيمان1/ 43 قال : وهو صحيح على شرط مسلم، وحسنه المقدسي في الأحاديث المختارة 6/331.

(12) رواه البخاري ك/ التوحيد ب/ والله خلقكم وما تعملون ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله ، وأخرجه الترمذي ك/ الإيمان ب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان ، وأخرجه النسائي في ك/الإيمان وشرائعه ب/ أداء الخمس، وأخرجه أبو داود في الأشربة ب/ في الأوعية .

(13) منهم الأئمة : مالك ، الشافعي ، أحمد ، الأوزاعي ، اسحق بن راهوية وسائر أهل الحديث ، وأهل المدينة ، وأهل الظاهر وجماعة من المتكلمين انظر : تقريب وترتيب شرح الطحاوية 1/157 ، ولمعرفة قول السلف في الإيمان انظر شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة 4/911- 933 ، 5/955-959 .

(14) أخرجه البخاري ك/ الإيمان ب/ سؤال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ الإيمان ما هو وبيان خصاله ، وأخرجه النسائي في الإيمان وشرائعه ب/ صفة الإيمان والإسلام ، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة ب/في الإيمان ، وأخرجه أحمد في باقي مسند المكثرين .

(15) اصطلح بعض العلماء على تسمية الإيمان بالعقيدة .

(16) رواه مسلم ك/ صفة القيامة والجنة والنار ، ب/ جزاء المؤمن بحسناته في الدنيا والآخرة وتعجيل حسنات الكافر في الدنيا ، ورواه ابن حبان في صحيحه 2/101 بلفظ : إن الله لا يظلم مؤمناً حسنةً يثاب عليها الزرق في الدنيا، ويجزى بها في الآخرة فأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا ، فإذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيراً ، ورواه أبو يعلى في مسنده 5/231 .
(17) احمد بن أحمد بن أبي بكر الأنصاري الخزرجي الأندلسي أبو عبدالله من كبار المفسرين وله مؤلفات توفي بمصر عام 671هـ.
(18) تفسير القرطبي الجامع لأحكام القرآن .


مع تحيات موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة www.55a.net

مقتضيات شهادة أن لا إله إلا الله

لهذه الشهادة العظيمة لوازم وحقوق ومقتضيات من أهمها :-

أولاً : البراءة من الشرك الأكبر وصوره :
كما تبرأ إبراهيم الخليل عليه السلام من الآلهة الباطلة التي يعبدها قومه من دون الله. قال تعالى : ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ(26)إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ(27)﴾ (الزخرف:26-27) .
والشرك الأكبر : اتخاذ شريك لله تعالى فيما هو من خصائص الإلهية، وهو أعظم الذنوب على الإطلاق ، ولا يغفر الله لمن وافاه يوم القيامة مشركاً . قال تعالى﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ (النساء:48) . ومن صوره :اعتقاد شريك لله تعالى في الخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة أو جلب النفع أو دفع الضر أو إجابة الدعاء أو علم الغيب. ومن صوره كذلك عبادة وثن أو صنم بسجود له ، أو تعظيم ، أو دعاء ، أو ذبح أو محبة أو خوف ، أو رجاء ونحو ذلك مما لا يجوز التعبد به إلا لله سبحانه وتعالى . قال الله تعالى عن وصية لقمان لابنه﴿ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان:13).وسئل النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ ؟قَالَ : أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ .. الحديث(1) ومما هو من جنس الشرك ما يفعله بعض الجهلة من قصد المقابر للاستغاثة بالمقبورين ، وطلب الحوائج منهم ، ورجاء كشف النوائب وحصول المنافع ، ودفع الضرر من جهتهم ، وغير ذلك مما لا يصح طلبه إلا من الله تعالى ، وما يحصل عند تلك الأضرحة من ذبح أو نذر وما أشبه ذلك من الأعمال الشركية المصحوبة بأعمال أخرى سيئة كان لها أثر كبير في تشويه صورة الإسلام والصد عنه . قال تعالى﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (الأعراف:194). وقال سبحانه﴿ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ(13)إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ(14)﴾ (فاطر:13-14) . وقال سبحانه آمراً نبيه : ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (الأعراف:188).وقال له أيضاً : ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾ (الجن:21). وروى الإمام مالك (2)أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : (اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا يُعْبَدُ)(3) . وذكرت أم سلمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة يقال لها مارية، فذكرت له ما رأت فيها من الصور، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أُولَئِكَ قَوْمٌ إِذَا مَاتَ فِيهِمُ الْعَبْدُ الصَّالِحُ أَوِ الرَّجُلُ الصَّالِحُ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا وَصَوَّرُوا فِيهِ تِلْكَ الصُّوَرَ أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ)(4) . وقالت عائشة وعبدالله بن عباس: لما حضرت النبي صلى الله عليه وسلم الوفاة قال: (لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ) يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا(5) . ومن صور الشرك الحديثة ما يجري داخل البرلمانات من حكم وتشريع بغير ما أنزل الله بتحكيم القوانين الوضعية أو آراء النواب المخالفة لحكم الشرع. قال تعالى﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ (الشورى:21).
وقال سبحانه: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (المائدة:44). ومنه أيضاً الانتماء للأحزاب المعادية للإسلام ، أو موالاتها على المبادئ المناقضة للدين مثل دعواها أن من حقها أن تحل ما حرم الله ، أو تحرم ما أحل الله وتشرع ذلك للأمة ، ومنه أيضاً تعظيم النظريات الفكرية المخالفة لشرع الله. فمن أعظم مقتضيات لا إله إلا الله البراءة من الشرك بجميع صوره القديمة والحديثة .
ثانياً : محبة الله تعالى وطاعته :
وذلك لأن العبودية تقتضي غاية الخضوع مع غاية المحبة.(6)
قال تعالى﴿… وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه ِ…﴾: (البقرة:165). قال ابن القيم عن محبة الله تعالى : إنها حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله. قال : لأن الإله هو الذي يألهه العباد حباً وذلاً (7)وقد جاء في صفة صادقي الإيمان أنهم يحبون الله ويحبهم هو سبحانه وتعالى. قال تعالى﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (المائدة:54). ومن تمام هذه المحبة ، محبة ما يحبه ، وكراهة ما يكرهه ، فمن أحب شيئاً مما يكرهه الله ، أو كره شيئاً مما يحبه لم يكمل توحيده وصدقه في قول لا إله إلا الله .
قال الحسن رحمه الله : اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته . وقال يحيى بن معاذ : ليس بصادق من أدعى محبة الله ولم يحفظ حدوده . قال الله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (آل عمران:31).
ثالثاً : عبادة الله وحده لا شريك له :
وهي أعظم لوازم ومقتضيات هذه الشهادة قال تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (الأنبياء:25). وقال سبحانه : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ﴾ (الإسراء:23).
والعبادة : اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال والاعتقادات فعلاً أو تركاً .
رابعاً : محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاعته :
محبة الله مستلزمة لمحبة رسوله صلى الله عليه وسلم لأنه المبلغ عن الله بما يحبه وما يكرهه سبحانه ، ولذا قرن الله تعالى محبته بمحبة رسوله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ ءَابَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ (التوبة:24). كما قرن طاعته بطاعة رسوله في كثير من المواضع، كقوله تعالى: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ (آل عمران:32) وقوله: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ (النور:52). وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (قَالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا ، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ) (8)

خامساً : التسليم المطلق لكل ما جاء من عند الله تعالى في كتابه أو صح عن رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (النساء:65). وهذا التسليم منطلق من إيمان المسلم بكمال علم خالقه به وبمصالحه ، وبكمال فضل الله تعالى عليه ورحمته ولطفه ، وباعتراف المسلم بضعفه حيث أنه بشر محدود العلم لا يدرك جميع الغايات والعواقب . قال تعالى : ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (البقرة:216). وقال تعالى﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾(الأحزاب:36). وقال سبحانه﴿ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ ﴾ (الحج:34).
قال النووي (9)رحمه الله : ولا بد مع التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة من الإيمان بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لقوله في حديث أبي هريرة المرفوع : حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْتُ بِهِ (10). سادساً : الاحتراز من الشرك الأصغر وهو الرياء :
وهو إظهار العبادة بقصد رؤية الناس لها ليحمدوا صاحبها ، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الْأَصْغَرُ : الرِّيَاءُ يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا جُزِيَ النَّاسُ بِأَعْمَالِهِمُ : اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً) (11) قال ابن القيم رحمه الله : أما الشرك الأصغر فكيسير الرياء ، والتصنع للخلق، والحلف بغير الله ، وقول الرجل للرجل : ما شاء الله وشئت ، وهذا من الله ومنك ، وأنا بالله وبك ، ومالي إلا الله وأنت ، وأنا متوكل على الله وعليك ، ولولا الله وأنت لم يكن كذا وكذا ، وقد يكون هذا شركا أكبر بحسب حال قائله ومقصده (12)
سابعاً : القيام بالأعمال الصالحة :
قال النبي r (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ).(13)وقال أبوبكر رضي الله عنه : إن الزكاة حق المال، فحق لا إله إلا الله هو القيام بفرائض الدين، ولذا قاتل الصحابة رضوان الله عليهم من منع الزكاة مع إقراره بالشهادة . وقد مرّ بنا أنه لا يكفي التلفظ بالشهادتين مع عدم القيام بالأعمال الصالحة. قال الله تعالى ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾(آل عمران:32).وقال سبحانه﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ(3)﴾ (العصر:1-3).وقال تعالى﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(الحج:77). والقرءان ملئ بوصف المؤمنين بأنهم الذين يؤمنون ويعملون الصالحات.قال تعالى﴿ إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا ﴾ (الكهف:107).
ثامناً : الولاء والبراء :
الولاء والنصرة لكل من شهد هذه الشهادة ، والبراءة ممن جحدها وكفر بها، ولو كان أقرب قريب. قال تعالى
﴿ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ(55)وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ(56)﴾ (المائدة:55-56). وقال تعالى: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:71). وروى الطبراني(14) في الكبير أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أوثقُ عُرى الإيمانِ الموالاةُ في اللهِ والمعاداةُ في الله ، والحبُ في اللهِ والبغضُ في اللهِ)(15) . وقد تبرأ إبراهيم عليه السلام وأصحابه المؤمنون من قومهم لما عبدوا غير الله. قال تعالى: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ (الممتحنة:4).
وبين سبحانه أن من والى الكفار فإنه يكون مثلهم ويلحق بهم فقال سبحانه : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ (المائدة:51). وبين سبحانه أن من والاهم فإنه قد ضل، فقال : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾(الممتحنة:1).وبين سبحانه أن المؤمن الحق لا يوالي الكافر ولو كان قريباً له.﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(المجادلة:22).

لا إله إلا الله منهج حياة
إن معنى العبودية التي هي حقيقة لا إله إلا الله هي الاستسلام والانقياد للخالق سبحانه وتعالى بدون مقاومة أو معارضة . قال تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (النساء:65). والله سبحانه وتعالى هو صاحب المشروعية العليا في الخلق والأمر والحكم. قال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ (الأعراف:54). وقال سبحانه :

﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف:40).
فهو سبحانه المالك الحق لكل شئ، وكل ما في الوجود تحت ملكه وسيطرته وهيمنته سبحانه وتعالى. قال سبحانه: ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ ﴾ (البقرة:116).وقال سبحانه : ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا ءَاتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ (مريم:93). فجسدك أيها الإنسان وروحك، وأجساد الناس وأرواحهم وما يملكون ملك لله الواحد القهار. قال سبحانه: ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (آل عمران:26). وأنفس الناس وأموالهم وكل ما هو مسخر لهم إنما هو ودائع لديهم يرثها الله تعالى منهم ، حين فنائهم. ولما كان الله سبحانه هو المالك ، وجب أن يخضع كل شئ في هذا الكون لأمره ودينه. وواجبك أيها المسلم ، أن تخضع حياتك كلها لربك وخالقك ، بما في ذلك شؤونك الشخصية والأسرية والمالية والفكرية والعملية، وأن تسعى لتكون كل علاقاتك بمن حولك وكل تصرفاتك فيما تملك خاضعة لأمر خالقك وإلهك رب السموات والأرض. فلا يبقى جزء من تصرفاتك أو حياتك خارجاً عن شريعة الله سبحانه وعن حكمه. قال تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (الأنعام:162-163). ويجب عليك أن تسعى لدعوة مجتمعك في القرية أو المدينة أو الدولة بل والعالم بأكمله لتحقيق العبودية التامة لله سبحانه وتعالى ، والخضوع له سبحانه في كل شؤون حياتهم العبادية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والإدارية والقانونية والحربية والفكرية والثقافية وسائر مجالات الحياة .
كما عليك أن تسعى لتسخير ما خلق الله من النبات والحيوان والطاقات وفق أمر الله جل وعلا ، وأن تكون علاقتك بالناس وبسائر ما خلق الله تدور في دائرة العبودية لله جل وعلا ، وحينئذ تكون قد حققت العبودية التامة لله جلا وعلا التي هي حقيقة لا إله إلا الله.

ما يتناقض مع لا إله إلا الله
هناك اعتقادات وأعمال وأقوال من أتى بشيء منها نقض إيمانه بهذه الشهادة العظيمة وأحبط عمله ، وذلك كالردة عن الدين. قال تعالى﴿… وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (المائدة:5). ومعنى حبوط عمل الإنسان : بطلانه وخسارة أجره (16) .
وإليك بعض نواقض شهادة أن لا إله إلا الله :
أولاً : نواقض في الاعتقاد :
أ) إنكار الخالق سبحانه وتعالى وجحوده :
قال تعالى ﴿ وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ ﴾ (الجاثية:24).
ب) اعتقاد شريك لله تعالى في ربوبيته :
كأن يعتقد أن غير الله له قدرة على الخلق أو الرزق أو الإحياء أو الإماتة أو علم الغيب أو ملك النفع والضر ، أو قضاء الحوائج ، وتفريج الكربات، وإجابة الدعوات، ونحو ذلك من الأعمال التي لا يقدر عليها إلا الله .
قال تعالى : ﴿… أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ (الرعد:16).وقال تعالى : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ (الروم:40). وقال تعالى ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ (الزمر:65).
ج) اعتقاد شريك له سبحانه في الألوهية :
كأن يعتقد أن غير الله تعالى يستحق العبادة ، أو شيئاً منها كالمحبة المقترنة بالخضوع والذل. قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾ (البقرة:165).
د) اعتقاد شريك له سبحانه في أسمائه وصفاته :
قال تعالى ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (الأعراف:180). عن ابن عباس رضي الله عنه:إلحاد الملحدين أن دعوا اللات في أسماء الله. وقال ابن جريج(17) عن مجاهد(18) : اشتقوا اللات من الله ،والعزى من العزيز. وقال قتادة(19) :يلحدون : يشركون في أسمائ(20) .
ثانياً : نواقض في القول :
أ) دعاء غير الله تعالى أو الاستغاثة به لجلب النفع أو دفع الضر.
قال تعالى ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ﴾ (الأحقاف:5).وقال سبحانه ﴿ وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾: (النحل:86) . وقال سبحانه﴿ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ﴾ (الحج:12). وقال تعالى : ﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ (فاطر:14).
ب) سب الله تعالى أو الاستهزاء به سبحانه أو بصفة من صفاته.
قال تعالى: ﴿… قُلْ أَبِاللَّهِ وَءَايَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ(65)لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66)﴾ (التوبة:65-66).
ج) إعلان الكفر بالألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات.
د) الدعوة إلى مايناقض لا إله إلا الله من الإلحاد والشرك والمبادئ الكفرية.
أو أي قول يناقض حقيقة لا إله إلا الله.
ثالثاً : نواقض في العمل :
كصرف شئ من العبادات العملية لغير الله تعالى كالسجود للشمس والقمر.
قال تعالى﴿ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ (فصلت:37).
أو امتهان لكلام الله تعالى (القرآن).
دمغ الشبهات
اقتراحات وشروط : لقد خلق الله الإنسان ، وخلق له أدوات يكتسب بها العلم والهداية من ربه ، وأقام له البينات التي تملأ الأرض والسموات وتتجلى في خلقه وتكوينه ، وأرسل له رسله وأيدهم بالمعجزات الجليات الواضحات الشاهدة بصدقهم ، ومنحه عقلاً يستدل به على ربه وصدق رسله ، وجعل في فطرته شاهداً على الإيمان به سبحانه ، فأبى المتكبرون المغرورون أن يسلكوا الطريق الذي أقامه الله للإيمان به وبرسله ، وأخذوا يقترحون مقترحات فاسدة ، ويشترطون شروطاً باطلة تصد الناس عن الإيمان بالله ورسله ، وتشبّه طريق الحق الذي أقامه الله للإيمان به وبرسله. وهؤلاء يقال لهم :
1- أتجعلون من أنفسكم أندادا لله سبحانه وتعالى، فتقترحون الطريقة التي بها تعرفون خالقكم وإلهكم؟ فمن أنتم حتى تشترطوا الكيفية التي بها تعرفون الله سبحانه وتعالى؟ إن هذا لغرور وكبر وتطاول. قال تعالى﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (غافر:56).
2- لو أن الذي خلق لكم أدوات العلم أخذها منكم فبم تكتسبون هذا العلم وبأي شئ تتطاولون؟ قال تعالى :
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ ﴾ (الأنعام:46).فالعاقل موقفه استعمال أدوات العلم وتوجيهها إلى مصادر العلم ليكتسب الإيمان ، ولا يشترط على خالقه شيئاً .
3- ولو أن الله استجاب لمقترحات الكافرين واشتراطاتهم لازدادوا عتواً ونفوراً وعناداً وكفراً ، ولفسد نظام الأرض والسماء . قال تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ (المؤمنون:60).
4- ولقد أقام الله الحجج الكافية لتعريف الناس به واثبات صدق رسله ، فانتفع بها أهل العقول فآمنوا بربهم وبرسله ، فأي حجة تبقى للكافرين؟ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ ﴾ (الشورى:16).
بعض مقترحات الكافرين وشبههم
أولاً : مقترح اليهود أن يروا الله جهرة :
لقد ذكر القرآن الكريم بعض مقترحات اليهود التي تدل على كفرهم وعنادهم ، حيث طلب قوم موسى عليه السلام أن يروا الله جهرة كي يؤمنوا بما جاءهم به. قال تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾(البقرة:55).
ورداً على هذه الشبهة التي تشترط رؤية الله جل وعلا للإيمان به نقول :
1- إن العين البشرية هي آلة الإبصار عند الإنسان ، وهذه الآلة محدودة القدرة على الرؤية والإبصار، فهي لا ترى إلا ضمن نطاق محدود من الموجات الإشعاعي21 . ولا يستطيع الإنسان بالعين المجردة رؤية الأشياء المتناهية في الصغر كالفيروسات والجراثيم والميكروبات مع إيمانه بوجودها عن طريق مشاهدتها مكبرة، أو عن طريق إخبار الثقات بها. ويؤمن الإنسان بوجود الجاذبية والهواء مع أنه لا يرى إلا آثارهما كجذب الأرض للأشياء وسقوطها عليها ، وكتحريك الهواء لأغصان الشجر. وتعجز العين البشرية عن النظر مباشرة لأشعة الضوء المنبعثة من الشمس ، فأنى لهذه الآلة الضعيفة أن تحتمل النظر إلى نور الله جل وعلا .ولذلك عندما طلب نبي الله موسى عليه السلام أن يرى ربه سبحانه وتعالى لم يستطع تحمل أثر تجلى الله سبحانه وتعالى للجبل فخر صعقا. قال تعالى : ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (الأعراف:143). (وعَن أَبِي مُوسَى قَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ وَلَكِنَّهُ يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ قَبْلَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ حِجَابُهُ النُّورُ لَوْ كَشَفَهُ لَأَحْرَقَتْ سُبُحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِه)ِ(22) . هذا من حيث عجز البصر البشري عن القدرة على احتمال قوة الضوء التي يراها ، أما من حيث المسافة فإن البصر يعجز عن رؤية ما بعد عنه ، فهو يرى الطائرة التي تقل مئات الركاب تختفي أمام عينيه في السماء ، ويرى الأجرام السماوية بأحجام صغيرة بينما بعضها أكبر من الأرض بملايين المرات ، وكثير منها لا تراها العين المجردة . والمسافة بيننا وبين الشمس تصل إلى ثلاثة وتسعين مليون ميل تقريباً ، يقطعها الضوء في مدة ثمان دقائق وثلث تقريباً. ولا يصل الضوء إلينا من أقرب مجرة(23) إلا بعد أن يسافر مدة مليون سنة ، وأبعد شعاع رصده الإنسان وصل إلينا بعد أن سافر ما يقرب من اثني عشر مليار عام ، وهو في كل ثانية يقطع ثلاثمائة ألف كيلومتر تقريباً ، فكم قطع هذا الشعاع من المسافة في اثني عشر مليار عام ؟!وقد ذكر الله سبحانه في القرآن أنه قد جعل النجوم والكواكب زينة للسماء الدنيا فقال﴿ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ (الملك:5).وقال تعالى ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾ (الصافات:6).فكل هذه الأجرام السماوية لا تزال في مجال زينة السماء الدنيا ، فأين مكان السماء الدنيا ، ثم أين مكان السماء الثانية والثالثة إلى السابعة ، ثم إن هذه السموات السبع بالنسبة للكرسي كحلقة رميت في فلاة ، ونسبة الكرسي إلى العرش كنسبة تلك الحلقة إلى الفلاة أيضاً كما جاء في الحديث النبوي(24). والرحمن سبحانه على العرش استوى، فأنى لبصر تقيده المسافات أن يرى رب العرش سبحانه أو يحيط به. وإن من يشترط لإيمانه رؤية الله سبحانه وتعالى مثله كأحمق في غرفة نوم، أخذ لحافه ووضعه على رأسه، وجعل فيه ثقبا صغيراً، ووجه الثقب إلى فتحة الباب، وقال : يقول الناس : إن هناك قارة تسمى أمريكا وأنا لم أرها إذن لا أصدق بوجودها ! إن الذين يشترطون أن يروا الله جل وعلا بهذه الآلة الصغيرة لهم أشد جهالة من هذا الأحمق ، قال تعالى: ﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ (الأنعام:103).
2- إننا لو طبقنا قاعدة بني إسرائيل أنهم لا يؤمنون إلا بما شاهدوا للزم أن نغلق المدارس ومحطات الإذاعة والصحف والمجلات، وأن نعلن حرباً على المتخصصين الذين يطلبون منا أن نصدقهم بأمر لم نشاهده نحن. وإننا لو التزمنا بهذه القاعدة واعتبرنا من آمن بأمر غيبي مخطئاً للزم من ذلك عدم تصديق أي خبر ، وعندئذ ماذا سيفعل الطلاب مع أساتذتهم الذين يعلمونهم ؟ وماذا سيفعل السامعون مع أجهزة الأعلام وهي تتحدث إليهم؟ إذن لابد أن نغلق على أنفسنا كل باب من أبواب المعلومات إلا ما وقع تحت دائرة الحواس ، وعندئذ تصبح معلومات الإنسان والحيوان سواءً ! فهل نتعنت كما تعنت اليهود الذين لم يعرفوا قدر البصر وإمكاناته المحدودة ، ولم يعرفوا قدر الله جل وعلا، فأرادوا الإحاطة بالعظيم الجليل بآلة الإبصار الصغيرة الضعيفة العاجزة، فاشترطوا أن يروا الله العظيم سبحانه لكي يؤمنوا .
3- أن وسائل العلم البشرية محدودة، فلا نستطيع أن نرى كل شئ، إما لصغره كالذرات ، أو للطفه كالهواء ، أو لبعده كالمجرات البعيدة ، وهذه الحقيقة يعرفها العلماء التجريبيون، وهي حقيقة عجز البصر عن إدراك الأشياء كلها ؛ لذلك فهم يسعفون البصر المحدود إذا عجز عن رؤية الحقائق بالنظر في آثارها المشاهدة للاستدلال على تلك الحقائق التي لا يدركها مثل موجات الإذاعة التي لا ترى بالمشاهدة، ولكن تدرك بواسطة أجهزة المذياع ، أو بالتلقي من الخبراء والمختصين الذين يعلمون ما لم يدركه بصر السائل ، فيقبل الناس ذلك العلم منهم بثقة واطمئنان؛ لأنهم أصحاب علم واختصاص .وبالطريقين السابقين (بمشاهدة الأثر الذي يدل على المؤثر، أو السماع من مصدر موثوق) يستدل المؤمن على إيمانه بالله سبحانه وتعالى، فهو يستدل بالآتي:
1- بالآثار والمخلوقات التي تملأ الأرض والسماء ، الدالة على بعض صفات الله ، وبإجابة الله لدعاء المؤمنين والمضطرين .
2- بواسطة التلقي من الرسل عليهم الصلاة والسلام والذين هم أعلى البشر ثقة واختصاصاً وعلماً بالله عزوجل ، قال تعالى : ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ﴾ (الفرقان:59).
ثانياً : مقترح كفار قريش" إذا كان الله موجوداً فليفعل ما نريد "
وهؤلاء كفار قريش يشترطون على رسول الله r ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا(90)أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا(91)أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا(92)أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا(93)﴾(الإسراء:90-93).
وتوضيحاً لهذا الأمر نقول :
1- إن هؤلاء كسائر قادة الإجرام في كل مكان وزمان يبتكرون الشبهات لخداع الناس فيخدعون أنفسهم، و يصدون الناس عن هدى ربهم، ويشترطون الاشتراطات التي تدل على تكبرهم على الحق ، قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ(123)وَإِذَا جَاءَتْهُمْ ءَايَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ(124)﴾(الأنعام:123-124).
2- ولقد اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى الإعراض عن هذه المطالب التعنتيه والشروط التعسفية؛ لأن في الاستجابة لها فساد السماوات والأرض.
h مثـــال :
لو أن ملكا لبلاد أو رئيسا لدولة ، أنكر شخص أو جماعة من الناس أنه الحاكم لتلك البلاد وطلبوا منه دليلاً على أنه الحاكم ، فقالوا له : إذا كنت تحكم هذه البلاد فهذا الحجر يقع داخل دولتك انقله من مكان إلى آخر !
فقال: ها أنا ذا قد فعلت ، ونقل الحجر !
قال آخر : أما أنا فلا أصدق أنك تحكم هذه البلاد إلا إذا نقلت هذا القلم من مكانه !
فقال الملك أو الرئيس: ها أنا ذا قد فعلت ، ونقل القلم !
وقال آخر : وأنا أريد منك أن تغسل هذا الكأس !
وقال آخر: أما أنا فأشترط عليك أيها الملك أوالرئيس إذا أردت أن أصدق أنك الحاكم لهذه الدولةأن تقتل فلاناً !
إننا نجزم بأن الحاكم الذي يستجيب لمثل هذه المقترحات لاشك سفيه .
ولكن الحاكم الذي يحترم نفسه سوف يقول : من أراد أن يعرف أني أنا الحاكم لهذه البلاد فعليه أن يسأل ليعرف أني أنا الذي أشكل الحكومات ، وأقيل الوزارات ، وأعقد المعاهدات الدولية، وأصرف الميزانيات ، وأعلن الحرب ، وأشكل الجيوش .
أما نقل حجر، أو قلم ، أو غسل كأس ، فذلك يفعله أي واحد في دولتي ، فمن أراد أن يعرفني فبتلك الأعمال التي لا يقدر عليها إلا من كان ملكاً أو رئيسا . ولله المثل الأعلى، فلو أن الله جعل الطريق للإيمان هو أن يستجب لمقترحات الكافرين واشتراطاتهم فإن كل كافر سيقترح اقتراحاً ويشترط شروطاً لو استجاب الله لها لفسد نظام الكون، فهذا سيشترط لإيمانه أن يجعل الله الليل نهارا والنهار ليلاً ، وآخر يشترط أن يجعل الله الرجال نساء والنساء رجالاً، وآخر يشترط أن يجعل الله الأرض سماءاً والسماء أرضاً، وآخر يشترط لإيمانه أن يقتل فلانا أو يدمر شعباً، فيفسد نظام الكون، قال تعالى: ﴿ وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ﴾ (المؤمنون:71).
3- وإذا كان الله لا يستجيب لتعنت الكافرين وحماقات الجاهلين ، فإنه قد أقام الأدلة على الإيمان به سبحانه ، وذلك بالأعمال التي لا يقدر عليها إلا هو سبحانه وتعالى مثل : خلق السماوات والأرض ومن فيهن، وتقليب الليل والنهار، وخلق الموت والحياة، وتدبير شأن سائر المخلوقات، وأمثال هذه الآيات التي لا يقدر عليها إلا الله سبحانه قال تعالى: ﴿ أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَئِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ ﴾ (النمل:60). إن هؤلاء الحمقى لم يتأدبوا مع الله كما تأدب المؤمنون الذين طلبوا من الله قضاء حوائجهم مؤمنين به ومستغيثين به فيستجيب الله دعاءهم ويقضي حاجتهم ، وظاهرة إجابة الله لدعاء المؤمنين والمضطرين حقيقة يعرفها المؤمنون، ومنها ما تعرفه الشعوب الإسلامية من إجابة الله لدعاء المصلين في صلاة الاستسقاء بإغاثتهم بالمطر وقت الجفاف الذي ينزل في موطن المستسقين .
ثالثاً: شبهة الشيطان وكفار العصر:
لقد أخبرنا الرسول صلى الله عليه وسلم عن شبهة انتشرت في عصرنا وأخذ الملاحدة يروجونها ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لن يبرحَ الناسُ يتساءلونَ حتى يقولوا : هذا اللهُ خالقُ كلِ شئٍ ، فمنْ خلق اللهَ ؟!)(25)
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ : مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ)(26).وتعتمد هذه الضلالة على أساس باطل هو التسوية والمشابهة والمماثلة بين الخالق ومخلوقاته في الصفات والخصائص ، وينطلق الشيطان من قاعدة التسوية هذه ليوجه السؤال قائلاً: هذا خلْقُ الله فمن خلَقَ الله؟ ومعنى السؤال إذا كنا نجد أن أول ما تتصف به هذه المخلوقات هو أنها مفتقرة إلى خالقها، ومحتاجة إلى بارئها فلا يكون لها وجود إذا لم يوجد خالقها ، فكذلك يجب أن يتصف الخالق بنفس ما اتصفت به مخلوقاته فهو محتاج مفتقر مثلها. وعندئذ يكون محتاجا ًفقيراً لمن يخلقه كما احتاجت هي إلى خالقها .
ولدمغ هذه الضلالة الشيطانية نقول :
1) من الذي قرر بأن ما تتصف به المخلوقات لا بد أن يتصف به الخالق؟ (أستغفر الله) ومن الذي قرر أن كل ما يحتاج ويفتقر إليه المخلوق لا بد أن يكون الخالق مفتقراً ومحتاجاً ، إليه حتى أصبح الخالق ومخلوقاته متساويين في الصفات وفي الاحتياج؟ (أستغفر الله) .
2) إن الخالق غير مخلوقاته التي أوجدها وسيرها ، فيجب أن تختلف صفاته عن صفات مخلوقاته ، كما أن الإنسان غير مصنوعاته التي صنعها واخترعها ، فمثلاً : إن النجار الصانع للباب له صفات غير صفات الباب، فالباب يحتاج إلى طلاء وإلى مسامير ومفتاح ، وإنه لمن السخف أن نقول بأن النجار يحتاج إلى مسامير وإلى مفتاح وطلاء، وبالمقابل فإن النجار يحتاج إلى أن يأكل ويشرب وينام ويتزوج، فلا يمكن أن نقول متى يأكل الباب ومتى يشرب ومتى ينام ومتى يتزوج ؟ لأن هذا لا يقوله عاقل .ولو اتحدت صفات الباب والنجار لكان الباب نجاراً والنجار باباً ولكانا شيئاً واحداً .وما يتصف به الخالق سبحانه من عظيم الصفات يجب أن يخالف ما تتصف به مخلوقاته وإلا لكان الجميع شيئاً واحداً، فتكون المخلوقات خالقاً والخالق مخلوقاً وهذا محال.فإذا كانت المخلوقات فقيرة إلى ربها محتاجة في وجودها إلى خالقها كما هو المشاهد من حالها ، فإن الله سبحانه هو الغني الصمد الذي لا يفتقر إلى غيره بل يفتقر إليه كل مخلوق ، وتلك صفات من صفات ربنا، تخالف صفات مخلوقاته. قال تعالى﴿… لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ (الشورى:11).
3- والكون الزاخر بالمخلوقات التي لا تحصى ولا تعد شاهد بأن رب هذا الكون غني لا يحتاج إلى غيره ولا يفتقر إلى سواه .
4- أما من عاند وأصر على وصف الخالق بما يتصف به المخلوق فيلزمه من ذلك أن ينكر وجود نفسه، ووجود كل ما في هذا الكون الفسيح المشاهد، وهذه ضلالة كبرى. ذلك لأنه لا يبقى غير الخالق ومخلوقاته إلا العدم المطلق . وإذا احتاج الخالق إلى من يخلقه (أستغفر الله) فسيحتاج عندئذ إلى العدم ، والعدم لا يخلق شيئاً ، إذن فلا وجود للخالق (أستغفر الله) وستحتاج المخلوقات عندئذ إلى العدم ليخلقها ، والعدم لا يفعل شيئاً ، إذن فلا وجود للمخلوقات ولا لصاحب السؤال والشبهة !! لكن وجود هذه الكائنات يشهد بأن الله خلقها ، ولم تخلق نفسها ولا العدم خلقها، ووجود هذه الكائنات يشهد أيضاً بأن الخالق سبحانه غني صمد تحتاج إليه جميع المخلوقات ولا يحتاج إلى أحد ، وصفته هذه تختلف عن صفات مخلوقاته ؛ لأن الخالق لابد أن تختلف صفاته عن صفات مخلوقاته .
أما إذا افترضنا التسلسل :
فإننا سنصل في النهاية إلى ما وصلنا إليه سابقاً ، وهو إما أن يكون جميع أفراد السلسلة عاجزين فقراء محتاجين إلى من يخلقهم، وليس بعد هذه السلسلة التي تضم المخلوقات وسلسلة الخالقين (أستغفر الله) إلا لعدم، والعدم لا يخلق شيئا، وإذن فلا وجود لمن يخلق هذه المخلوقات التي نحن منها، إذن فالجميع عدم ولا وجود لهذا الكون، ولا وجود لنا أيضاً. ولكن إلغاء وجودنا مستحيل وباطل، وما لزم من المستحيل والباطل فهو مستحيل وباطل. وإما أن ترجع هذه السلسلة إلى الخالق القادر الغني الصمد الذي تفتقر جميع المخلوقات إليه ولا يفتقر إلى غيره ، الذي له من الصفات العلي مالا تتصف به مخلوقاته قال تعالى: ﴿… وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ…﴾ (هود:123). وعندئذٍ لا يبقى إلا الخالق الغني الصمد ومخلوقاته المحتاجة إليه. قال تعالى : ﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2)لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(3)وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(4)﴾ (الإخلاص:1-4). ومن أبى الإيمان بهذا فيلزمه أن ينكر وجوده ، ووجود كل ما في هذا الكون البديع من مخلوقات. و إذا لقيت أيها المسلم من وقعت في نفسه هذه الشبهة فعلمه أن يقول : آمنت بالله ، ومره فليستعذ بالله ، وينتهى عن التفكير والاسترسال مع هذه الشبهة الشيطانية ، كما علمنا ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم(27) . وتأمل في شهادة العالم الغربي الدكتور ماريت ستانلي كونجدن ، وهو عضو الجمعية الأمريكية الطبيعية والأخصائي في الطبيعة وعلم النفس وهو يقول : ومما لا شك فيه أننا نحتاج في محاولتنا إلى وصف الخالق ومعرفة صفاته إلى مصطلحات ومعان تختلف اختلافاً بيناً عن تلك التي نستخدمها عندما نصف عالم الماديات ، وبخاصة بعد أن تبين لنا أن هذا الكون الذي نعيش فيه لا يمكن أن يكون مادة صرفاً وإنما هو مادة وروح ونار، أو مادة وغير مادة ولا نستطيع أن نصف الأشياء غير المادية بالأوصاف المادية وحدها .
إن صفات الله العلي وكماله القدسي حقيقة قائمة ، يشهد بها كل ما في الكون وتتحدث بها الفطرة البشرية ، فكل إنسان منا يشعر أن فيه نقصاً دون الكمال ، ويشعر عندما يرى أي شئ أن هناك ما هو أكمل منه، فهذا الشعور الذي نحسه بوجود نقص في كل ما نشاهده، باعثه الأصلي في النفس إحساس الفطرة بوجود من يتصف بالصفات العليا وله الأسماء الحسنى،حتى رأت كل شئ ناقصاً، إحساساً منها بوجود الكامل العظيم سبحانه وتعالى.



--------------------------------------------------------------------------------

(1) البخاري ك/ التفسير، تفسير سورة البقرة ب/ قوله تعالى: فلا تجعلوا الله أنداداً ، مسلم ك/ الإيمان ب/ كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده ، أخرجه الترمذي في تفسير القرآن ب/ ومن سورة الفرقان، وأخرجه النسائي في ك/ تحريم الدم، وأخرجه أبو داود في الطلاق ب/ في تعظيم الزنا، وأخرجه أحمد في مسنده /380.

(2)مالك بن أنس الأصبحي إمام دار الهجرة أحد الأئمة الأربعة الأعلام ، ألف الموطأ ورواه الناس عنه توفي عام 79هـ بالمدينة .
(3)رواه مالك في الموطأ / 72 مرسلاً ، والحميدي في مسنده 2/445 ، وقال ابن عبدالبر في التمهيد 5/45: الوثن الصنم ، وكل ما يعبد من دون الله فهو وثن صنماً كان أو غير صنم ، وكانت العرب تصلي إلى الأصنام وتعبدها ، فخشي النبيrعلى أمته أن تصنع كما صنع بعض من مضى من الأمم كانوا إذا مات لهم نبي عكفوا حول قبره كما يصنع بالصنم ، فقال : اللهم لا تجعل قبري وثناً يصلي إليه أ.هـ بتصرف ، ونقل السيوطي في تنوير الحوالك / 43 عن ابن عبد البر تقوية هذا الحديث ، وله شاهد في المسند من حديث أبي هريرة 2/246 ط. المكتب الإسلامي .

(4)أخرجه البخاري ك/ الصلاة ب/ الصلاة في البيعة ، ومسلم ك/ الصلاة ب/ النهي عن بناء المساجد على القبور، وابن حبان في صحيحه 7/454
(5) أخرجه البخاري ك/ الصلاة ب/ الصلاة في البيعة ، ومسلم ك/ الصلاة ب/ النهي عن بناء المساجد على القبور.
(6)العبودية لأبي عباس ابن تيمية 2/363 من الفتاوى الكبرى .
(7)تهذيب مدارج السالكين /822 .
(8)البخاري ك/ الإيمان ب/ حلاوة الإيمان، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان. وأخرجه النسائي في الإيمان وشرائعه ب/ طعم الإيمان ، وأخرجه ابن ماجة في الفتن ب/ الصبر على البلاء ، أخرجه أحمد مسند 3/ 03، وابن حبان في صحيحه /474.
(9)محي الدين أبو زكريا يحيى بن شرف النووي ، عالم محدث فقيه له "شرح مسلم" ومؤلفات أخرى توفي عام 67 هـ بنوى .
(10)رواه مسلم ك/ الإيمان ب/ الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمداً رسول الله ، والبخاري بنحوه ك/ الزكاة ب/ وجوب الزكاة.
(11)رواه أحمد في مسنده 5/428 ،429. وقال في مجمع الزوائد / 02: رجاله رجال الصحيح ، و هو في ترتيب صحيح الجامع 3/ 3 .
(12) بواسطة فتح المجيد ص 38 .
(13)سبق تخريجه.
(14)الحافظ أبو القاسم سليمان بن أحمد الطبراني اللخمي ، حافظ معمر مؤلف له المعاجم الثلاثة في الحديث توفي عام 360هـ.
(15)حسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 2536 .
(16) قال الإمام مالك رحمه الله : من ارتد حبط عمله، فإن عاد إلى الإسلام لزمه أن يحج مرة أخرى وإن كان قد حج قبل ردته لأن عمله قد حبط. وقال الشافعي رحمه الله : إنما يحبط عمله إذا مات على الكفر، أما إذ عاد إلى الإسلام فإن عمله باق ولا يلزمه إعادة حجه. انظر تفسير القرطبي عند قوله تعالى:" ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة، وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون"(البقرة:2 7).

(17)عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج الأموي بالولاء فقيه الحرم المكي وكان من أوعية العلم توفي عام 50هـ.
(18)مجاهد بن جبر المكي ، أحد المفسرين من التابعين من تلاميذ عبدالله بن عباس رضي الله عنه ، قيل فيه: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به ، ويعتمد عليه البخاري كثيراً في صحيحه في تفسيره للألفاظ القرآنية .
(19)قتادةبن دعامة السدوسي البصري روى عن بعض الصحابة وعن عددٍطيب من كبار التابعين وهوحافظ مفسر ثقة ثبت توفي عام 7 أو 8 هـ
(20)تفسير ابن كثير .
(21) أنظر الشكل الذي يبين أطوال الموجات المختلفة .
(22) أخرجه مسلم ك/ الإيمان ، ب/ في قوله عليه السلام إن الله لا ينام، وابن ماجه في السنن/المقدمة ب/فيما أنكر الجهمية ، والبزار في مسنده 8/36، والطبراني في المعجم الأوسط 2/ 42، وأحمد في مسند 4/400 وغيرهم.
(23)تسمى مجرة أندروميدا (مجرة المرأة المسلسلة) .
(24)رواه ابن جرير وابن مردويه كما ذكر ذلك الحافظ ابن كثير في تفسيره لآية الكرسي ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه 2/77 ، والأصبهاني في العظمة 2/570 ، وعبدالله بن أحمد في السنة /247 .
(25)أخرجه البخاري ك/ الاعتصام بالكتاب والسنة ب/ ما يكره من كثرة السؤال ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها ، وأبو داود ك/ السنة ب/ في الجهمية، والنسائي في السنن الكبرى 6/ 69 وأحمد في المسند 3/ 02 .

(26)أخرجه البخاري ك/ بدء الخلق ب/ صفة إبليس وجنوده ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ بيان الوسوسة في الإيمان ، وأبو عوانة في مسنده /80 ، والنسائي في السنن الكبرى 6/ 70 .
(27)جاء ذلك في الحديث النبوي الذي ذكرناه في أول كلامنا على هذه الشبهة ، فراجعه .


مع تحيات موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة www.55a.net

مراتب أهل الإيمان وكماله

مراتب أهل الإيمان :

للإيمان مراتب بينها الرسول r بقوله (الإيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الْإِيمَانِ) (1)

ويتحقق الإيمان في الناس بثلاثة أمور رئيسة :

1- اليقين أو الاعتقاد .

2- القول .

3- العمل .

والناس يتفاوتون في هذا وفيما يتحقق لهم من شعب الإيمان ، فهم بذلك مراتب فيما يلي بعض منها:

1) مرتبة الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام :

إن مرتبة الأنبياء والرسل هي أعلى وأتم وأكمل المراتب لأنهم عليهم الصلاة والسلام أكمل المؤمنين في إيمانهم به سبحانه وتعالى وحبه وخشيته وطاعته والاستقامة على منهجه تحقيقاً للعبودية له وأداءاً لحقوق الربوبية والألوهية ، لأنهم جمعوا بين صفاء الفطرة وسلامتها من التلوث بالآثام قبل نبوتهم ورسالتهم وبعد اصطفائهم للرسالات. قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ﴾ (النمل:59) وقال أيضاً : ﴿… اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ… ﴾ (الأنعام:124). وأضافوا إلى ذلك المعرفة المكتسبة بالنظر والاستدلال بالبراهين العقلية. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ (الأنعام:75).

ومُيّزوا بالعلم اليقيني الذي تلقوه من الله سبحانه وتعالى، فهم صلوات الله عليهم أكمل المؤمنين يقيناً واعتقاداً ، لأن المعجزات والآيات الدالة على نبوتهم ورسالتهم جرت على أيديهم وأمام أعينهم ، ولأنهم أعلم الناس بربهم وخالقهم الذي أرسلهم. قال رسول الله r: (فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُهُمْ بِاللَّهِ وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً) (2)

فهم على إيمان ثابت لا يضعف ولا يخور أمام المصائب والابتلاءات، كما جاء على لسان موسى عليه السلام عندما أدركه فرعون وجنده كما قال تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء:62).وقال خاتم الأنبياء والمرسلين وهو مطارد من قبل الكفار في الهجرة ما ذكره تعالى بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة:40) . وهم أكمل الناس في القول والعمل فهم الذين أعلنوا دعوة الله وبلغوها الناس جميعاً، فهم أقوى الناس بياناً وذباً عنه وأقواهم وأثبتهم مواجهة للباطل ودمغاً له عليهم الصلاة والسلام.

2) مرتبة الصحابة والتابعين :

ما من نبي إلا وجعل الله له حواريين وأصحاباً يهتدون بهديه ويستنون بسنته. قال رسول الله r : (مَا مِنْ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ فِي أُمَّةٍ قَبْلِي إِلَّا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ وَأَصْحَابٌ يَأْخُذُونَ بِسُنَّتِهِ وَيَقْتَدُونَ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِنَّهَا تَخْلُفُ مِنْ بَعْدِهِمْ خُلُوفٌ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ وَيَفْعَلُونَ مَا لَا يُؤْمَرُونَ فَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَمَنْ جَاهَدَهُمْ بِقَلْبِهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ)(3)
وقد جعل الله لرسوله r صحابة آمنوا به وصدقوه وتربوا على يده صلى الله عليه وسلم، وأقاموا دين الله ، وربوا من جاء بعدهم من التابعين وانطبقت عليهم أوصاف المؤمنين، فهم أول الصادقين لأنهم أول المخاطبين بها. قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (آل عمران:110). فدخولهم في الاية قبل غيرهم لأنها عليهم نزلت.وكذلك قول الله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة:285).

وقوله تعالى : ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (الفتح:18) .

وقوله تعالى : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (الحجرات:7)

قال رسول r(خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)(4)وقوله r (لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ )(5)

3) مرتبة العلماء العاملين

إن العلماء ورثة الأنبياء كما جاء ذلك في حديث رسول الله r عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله r: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضَاءً لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ إِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَ بِهِ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ)(6)فقد ورثوا الإيمان يقيناً واعتقاداً وقولاً وعملاً فعملوا بما علموا ، ودعوا إلى ما أيقنوا فرفعهم الله بذلك درجات كما قال تعالى : ﴿ … يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ (المجادلة:11). وقد جعل الله خشيته متحققة في العلماء العاملين الأتقياء فقال تعالى: ﴿… إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ (فاطر:28) .

4) مرتبة عامة المؤمنين :

ويتلقى المؤمنون الإيمان من العلماء فيوقنون بالحق ويعتقدونه ويقولون الحق وإليه يدعون ويعملون بما جاء في كتاب ربهم وسنة نبيهم r فهم في ذلك درجات بحسب يقينهم وأقوالهم وأفعالهم.

قال تعالى : ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾ (الأنعام:132).



كمال الإيمان



ان الايمان يزداد ويكتمل كماقال تعالى : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (الأنفال:2). كما يتحقق صدق الإيمان، بما قال جل وعلا﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ (الحجرات:15). وكما جاء في كثير من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أن الإيمان يزداد ويقوى ويستكمل ، وهذه قطوف منها:

قال عليه الصلاة والسلام (أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا وخياركم خياركم لنسائهم)(7)وعن عائشة (2)ضي الله عنها قال سمعت رسول الله r يقول(إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)(8) .

ومن أكمل المؤمنين إيماناً المجاهدون، والذين لا يؤذون الناس، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله r أنه سئل أي المؤمنين أكمل إيماناً؟ قال: (رَجُلٌ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ وَرَجُلٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ قَدْ كُفِيَ النَّاسُ شَرَّهُ ) (9)ويستكمل الإيمان بالحب في الله والبغض في الله ، وذلك أوثق عرى الإيمان، وكذلك بالإعطاء والمنع في الله، قال عليه الصلاة والسلام: "من أحبَّ للهِ وأبغضَ للهِ وأعطى للهِ ومنعَ للهِ فقدْ استكملَ الإيمانَ" (10)وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : قال رسول الله r: "أوثقُ عُرَى الإيمانِ الحبُّ في اللهِ والبغضُ في اللهِ" (11)وكمال الإيمان في المحافظة على الأمانة ، قال r "لا إيمانَ لِمَنْ لا أمانةَ لهُ" (12)

والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقياس للإيمان قوة وضعفاً، كما قال r: ( من رأى منكم منكراً فليغيرهُ بيدهِ فإنْ لم يستطعْ فبلسانهِ فإن لم يستطعْ فبقلبهِ وذلك أضعفُ الإيمانِ)ومن تمام وكمال الإيمان إكرام الضيف وصلة الرحم وقول الخير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله r: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ) (13)

• وإفشاء السلام من تمام الإيمان المؤدي إلى دخول الجنة، قال r: (لاَ تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا أَوَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ)(14)

• ونصف الإيمان طهارة القلب والبدن، فعن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله r: (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ....) (15)

• وكما يزداد الإيمان ويقوى ويستكمل مما سبق بيانه من الطاعات لله جل وعلا، فإنه يتعرض للنقص بالجهل والغفلة والمعاصي والذنوب وكل نص جاء في الكتاب والسنة يدل على زيادة الإيمان بتلك الطاعات فهو يتضمن النقص في غيابها. وإن نقص الإيمان قد عم وانتشر بين المسلمين، فتجد بعض الناس يشكو من قسوة قلبه وقلة لذته بالعبادة وعدم التأثر بقراءة القرآن الكريم وسهولة الوقوع في المعصية والتهاون في أداء الفرائض والواجبات وعدم الشعور بالمسئولية في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك . وأساس هذا كله هو نقص وضعف الإيمان عند هؤلاء ، لذلك فهو يحتاج إلى تجديد، وتجديده يكون بالتوبة والاستغفار والإقلاع عن الذنوب الماضية ، والإكثار من عمل الصالحات ، والبعد عن الوقوع في المعاصي سواءً الصغائر أو الكبائر ، قال الرسول r: (إن الإيمانَ ليَخْلَقُ في جوفِ أحدِكُم كما يَخْلَقُ الثوبُ ، فأسالوا الله أن يجددَ الإيمانَ في قلوبِكم) (16) ، نسأل الله أن يجدد الإيمان في قلوبنا. وقد يعتري قلب المؤمن في بعض الأحيان سحابة من سحب المعصية فيظلم. وهذه الصورة وضحها لنا رسولنا الكريم r بقوله: (ما من القلوبِ قلب إلا وله سحابة كسحابةِ القمرِ ، بينا القمرُ مضيء إذْ عَلَتْهُ سحابة فأظْلَمَ إذ تَجَلّتْ عنهُ أضاءَ)(17) لذلك فإن المؤمن في حاجة ماسة إلى تقوية إيمانه حتى يصل ويرتقي بنفسه إلى أعلى مراتب الإيمان، فيكون بذلك الإيمان في الدرجات العلى في الجنة.

الخروج من الإيمان

ويخرج المؤمن من الإيمان بأن يأتي باعتقاد أو قول أو عمل يكون به مرتداً، أعاذنا الله سبحانه وتعالى والمسلمين من ذلك .


--------------------------------------------------------------------------------



(1)سبق تخريجه
(2) أخرجه البخاري ك/ الأدب ب/ من لم يواجه الناس بالعتاب واللفظ له ، رواه مسلم ك/ الفضائل ب/ علمه r بالله تعالى وشدة خشيته ، وأحمد في مسنده 6/45 والنسائي في السنن الكبرى 6/67 .
(3) رواه مسلم ك/ الإيمان ب/ بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ، وابن حبان في صحيحه 14/71 وأحمد في مسنده 1/458 ، وأبو عوانه في مسنده 1/43 ، والطبراني في المعجم الأوسط 9/50 والكبير 10/13 وغيرهم.
(4) البخاري ك/ فضائل الصحابة ب/ فضائل أصحاب النبي r ومن صحب النبي r ، ومسلم ك/ فضل الصحابة ب/ فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ، والترمذي ك/ الفتن ب/ ما جاء في القرن الثالث ، والنسائي ك/ الإيمان والنذور ب/ النذر في الطاعة ، وابن ماجة ك/ الأحكام ب/ كراهية الشهادة لمن لم يستشهد ، وأحمد في المسند 1/434 وغيرهم .
(5) البخاري ك/ فضائل الصحابة ب/ قول النبي لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر ، ومسلم ك/ فضائل الصحابة ب/تحريم سب الصحابة ، وابن حبان في صحيحه 16/238 ، والترمذي ك/ المناقب ب/ ما جاء في فضل من رأى النبي r ، وأبو داود ك/ السنة ب/ في النهي عن سب أصحاب رسول الله ، وابن ماجة في المقدمة ب/ فضل أهل بدر ، وأحمد في المسند 3/54 .
(6) أخرجه الترمذي ك/ العلم ب/ ما جاء في فضل الفقه على العبادة ، وابن ماجة في المقدمة ب/ فضل العلماء والحث على طلب العلم، والدارمي في سننه 1/110 وأحمد في مسنده 5/196، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5/302).
(7) سبق تخريجه .
(8) عائشة بنت أبي بكر الصديق التيمية. أم المؤمنين ، أحب أزواج النبي r إليه ، تكنى أم عبدالله الفقيهة ، روت عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً من الأحاديث ، ماتت سنة سبع وخمسين .
(9) رواه أبو داود ك/ الجهاد ب/ ثواب الجهاد ، والحاكم في المستدرك 2/80 ، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، وأنظر صحيح سنن أبي داود للألباني برقم: 2485 .
(10)رواه أبو داود ك/ السنة ب/ الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه ، ورواه الترمذي بنحوه ك/ صفة القيامة، والحاكم في المستدرك 2/178 بنحوه ، وقال : صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ، واحمد في المسند بنحوه 3/438 ،3/440، والطبراني في المعجم الكبير 8/134 وغيرهم، وهو في السلسلة الصحيحة برقم:380.
(11) رواه ابن أبي شيبة في المصنف 7/80 ، والروياني في مسنده 1/271، والطبراني في المعجم الصغير 1/373 بلفظ أوثق عرى الإسلام ، وفي المعجم الكبير بنحوه 10/220 والطيالسي في مسنده 1/101 ، وأحمد في المسند 4/286 بلفظ أوسط عرى الإيمان ، قال في مجمع الزوائد 1/89 : رواه أحمد وفيه ليث ابن أبي سليم ، وقال المنذري في الترغيب والترهيب 4/14: رواه أحمد والبيهقي من رواية ليث بن أبي سليم ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة 1/403 ، قال الألباني فالحديث بمجموع طرقه يرتقي إلى درجة الحسن على الأقل والله أعلم . سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/307 برقم 1728 .
(12) أخرج احمد في المسند (3/135) ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه 1/422 ، والبيهقي في السنن الكبرى 4/97، وابن أبي شيبة في المصنف 6/159 والطبراني في المعجم الأوسط 2/383 ، والصغير 1/113 ، وصححه الألباني في تحقيقه للإيمان لابن أبي شيبة ص18.
(13) أخرجه البخاري ك/ الأدب ب/ من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، ومسلم ك/ الإيمان ب/ الحث على إكرام الجار، والترمذي ك/ صفة القيامة ، وأبو داود ك/ الأدب ب/ في حق الجوار .
(14) أخرجه مسلم ك/ الإيمان ب/ بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وأن محبة المؤمنين من الإيمان ، وابن حبان في صحيحه1/472 ، والترمذي ك/ الاستئذان عن رسول الله r ب/ ما جاء في إفشاء السلام، وابن ما جه ك/ الأدب ب/ إفشاء السلام ، وأبو داود ك/ الأدب ب/ في إفشاء السلام .
(15) رواه مسلم ك/ الطهارة ب/ فضل الوضوء ، والترمذي ك/ الدعوات .
(16) رواه الحاكم في المستدرك 1/45 ، وقال في مجمع الزوائد 1/52 : رواه الطبراني في الكبير وإسناده حسن ، وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة برقم: 1585 .
(17) رواه الطبراني في المعجم الأوسط 5/248 ، ورواه أبو نعيم في حلية الأولياء 2/196، قال في مجمع الزوائد رواه الطبراني في الأوسط وفيه أزهر بن عبدالله ، قال العقيلي : حديثه غير محفوظ عن ابن عجلان وهذا الحديث يعرف من حديث اسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي موقوفاً وبقية رجاله موثقون. وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم: 5558.

مع تحيات موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة www.55a.net

أفـلا يؤمنون

وبعد هذه الأمثلة من البشارات التي أشرنا إليها ، يتضح لنا أن الكتب المقدسة عند الأمم والشعوب قد أشارت إلى النبي الخاتم الذي يبعث وذلك قبل بعثته بقرون كثيرة قال تعالى: ﴿ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ﴾ (الشعراء:196).

وقد تواترت هذه البشارات والأخبار المبشرة ببعثته صلى الله عليه وسلم بين شعوب الأرض جميعا، ذلك أن رسل الله عليهم السلام قد بشروا أقوامهم بمحمد r، فكانت هذه البشارات في الكتب السابقة سبباً في إسلام كثير من الناس . كما إن أهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا ينتظرون مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ، فلما بعث آمن به من آمن من علمائهم وأحبارهم ، كعبدالله بن سلام. قال تعالى : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ (الأحقاف:10). ومن أهل الكتاب من أعرض عن دين الله وعن إتباع محمد r بغياً وحسداً من عند أنفسهم ، وأصروا على عداوته وبغضه ، فعمدوا إلى النصوص التي تبين صفاته ، فحرفوها وبدلوها ، وعملوا على إخفاء كثير من النصوص الصحيحة عن عامة الناس. قال تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا ﴾ (الأنعام:91). و قال تعالى : ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ (النساء:46). وقال تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ (المائدة:13). واستمر تحريفهم وتبديلهم طوال العصور وإلى يومنا هذا ، ولكن بقيت إشارات واضحة إلى يومنا هذا في كتبهم آية بينة تصف محمداً r ، وتشهد بصدقه r ، وأنه رسول الله وخاتم الأنبياء والمرسلين . وقد وجدنا هذه الكتب تصفه r بأنه أمي ، وتذكر أسمه ، ونسبه ومكان بعثته وزمانها ، وتصف كلامه وأخلاقه ، والشريعة التي يأتي بها كما تصف هجرته وهزيمة أعدائه أمامه. ولم تنطبق هذه الصفات على أحدٍ إلا على محمد r.فهل آن الأوان لمن ضلوا عن الحق أن يتبعوا الهدى،ويؤمنوا بدين الله ،وبرسول الله والحق الذي نزل عليه؟‍! قال تعالى﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ ءَامَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾(آل عمران:110).
المعجزة القرآنية
إن علم الإنسان المحدود لا يكفي لمعرفة الغيب الذي جاء منه ، ولا الغيب الذي سيتجه إليه ، ولا الغيب الذي خفي عنه في الكون من حوله . وهناك علوم يحتاج إليها الإنسان لهدايته واستقامة حياته ، ولذا كان لا بد له من الوحي من الله الذي قدّر فهدى، ولذا أرسل الله الرسل لهداية الناس، وأيدهم بالبينات والمعجزات المثبتة لصدق رسالتهم، والفاضحة لمدعي النبوة، والمفحمة للمكذبين والجاحدين . وكانت معظم بينات ومعجزات الرسل قبل محمد r حسية يشاهدها الحاضرون في ذلك الوقت ، وتحتفظ بقوة تأثيرها لعدة أجيال ، ثم تضعف مع طول الأمد. كما كانت بينات الرسل منفصلة عن الكتب التي يحملونها ، فكانت البينة المعجزة شيئاً والكتاب شيئاً آخر. أما محمد r، لكونه خاتم الأنبياء والمرسلين ، جعل الله بينته المعجزة في نفس رسالته والكتاب الذي جاء به؛ فكانت الرسالة والبينة شيئاً واحداً لتبقى المعجزة والبينة قائمة حية بين يدي الأجيال إلي يوم القيامة، كما أيده الله سبحانه وتعالى ببينات أخرى كثيرة .

والمعجزة القرآنية تتجلى في :

1) فصاحة القرآن وبلاغته في لفظه وأسلوبه وتركيبه وقد كان ذلك موضع التحدى من الله للإنس والجن أن يأتوا بمثل هذا القرآن فقال تعالى : ﴿ قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ﴾ (الإسراء:88).

2) كما أن القرآن معجز فيما اشتمل عليه من أخبار غيبيه حدثت في الماضي السحيق ، وفيما كشف من مكنونات الصدور وخفايا النفوس التي كان يكشفها القرآن للرسول عند نزوله .

3) وفيما اشتمل عليه من أخبار غيبية تحقق منها الكثير ولا تزال تتحقق إلى يومنا هذا ، وفيما سيأتي من الزمن .

والغيب أمر مستور عن جميع المخلوقات ، لا يعرفه على وجهه الصحيح إلا الله جل وعلا، فإذا أيد الله به رسله كان ذلك دليلاً على صدقهم وأنهم مبلغون عن الله سبحانه . و يتمثل الغيب الماضي في تاريخ الأديان وفي تاريخ الأمم ، بل وفي تاريخ الكون، وأما الغيب الحاضر ففي زمن النبي r ،ويتمثل في حوادث تقع بعيداً عنه فيخبر بها، أو في نوايا يضمرها الحاضرون فيكشفها الوحي له r،و أما غيب المستقبل فما سيكون في مستقبل الناس أو في الكون .

أولاً : إخبار القرآن بالغيب الذي مضى

يتمثل غيب الماضي في بداية الخلق ، وتاريخ الكون كما قال تعالى: ﴿ مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ … ﴾ (الكهف:51)، وتاريخ الأمم والأديان وما كان أحد وقت محمد r من البشر يعرف أسرار نشأة الكون وتاريخه ، كما كان قوم النبي r يجهلون الكثير من تاريخ الأمم والرسل كما قال تعالى: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا ﴾ (هود:49). ومن أمثلة الغيب الماضي ما يأتي :

فتق السموات والأرض

لقد أخبر القرآن أن السموات والأرض كانتا رتقاً، ففصل الله بينهما كما قال تعالى ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ (الأنبياء:30).

وقد بقي هذا الأمر سراً مجهولاً لا تعرفه البشرية عبر القرون قبل نزول القرآن وبعده بقرون ، إلى أن سار الإنسان على سطح الأرض يجمع الشواهد ويقارن بين الظواهر الأرضية المختلفة ، بل والظواهر الكونية التي استدل بها على حقيقة الاتصال السابق بين جسم الأرض وأجرام السماء . وتحقق له ذلك عندما سار على المنهجية التي وضعها القرآن لمعرفة بدء الخلق كما قال تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ﴾ (العنكبوت:20) وكان مما اكتشفه الإنسان أن باطن الأرض لا يزال نارياً ملتهباً ، كجسم الشمس والنجوم ، وكباطن معظم الكواكب التي لم تبرد . واكتشف الإنسان أن القشرة على الأرض تكونت بالبرودة ، فعرف أن الأرض وأجرام السماء كانا في الأصل شيئاً واحداً يتكون من عناصر متشابهة استدلوا عليها بتحليل الطيف(1)كما وجدوا أن النجوم والكواكب لا تزال تتشكل من دخانٍ سديم في السماء . وقد وجد الباحثون في علم الفلك أن النجوم لا تزال تتباعد عن بعضها إلى يومنا هذا ، وكذلك الكواكب في المجموعة الشمسية لا تزال تتباعد عن بعضها وتأكدوا بالقياس العلمي أن القمر لا يزال يبتعد عن الأرض كل عام أربعة سنتيمترات(2). وهذا يدل على أن الأرض وأجرام السماء كانت أقرب إلى بعضها البعض قبل مليون عام ، وكانت أكثر قرباً قبل مليار عام. وهكذا إذا رجعنا القهقرى سيوصلنا الحساب إلى الجسم المتحد قبل الانفصال(3). إن حقيقية اتصال الأرض بالسماء حقيقة غيبية يعجز الذهن البشري أن يتخيلها زمن نزول القرآن. إذ كيف يطيق العقل البشري في ذلك الزمان أن يتخيل أن النخلة على الأرض والبحر المحيط كانا جزءاً من الشمس الملتهبة ، أو أنهما كانا يوماً ما مادةً واحدةً مع القمر أو النجوم .لكن إمكانيات البحث العلمي ووسائله المتطورة مكنت من معرفة هذا السر الذي سبق أن ذكره القرآن ، فيدل ذلك على أن هذا العلم عن خلق الكون ونشأته قد جاء إلى محمدٍ r بوحي من الله جل وعلا .

2- نجاة فرعون ببدنه

وهذا مثل آخر للغيب المتعلق بأخبار الأمم ، فقد كشف الدكتور موريس بوكاي(4)في كتابه القرآن والعلم الحديث عن تطابق ما ورد في القرآن الكريم بشـأن مصير فرعون موسى بعد إغراقه في اليم مع الواقع المتمثل في وجود جثته إلى يومنا هذا آيةً للعالمين حيث قال تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ ءَايَاتِنَا لَغَافِلُونَ ﴾ (يونس:92). يقول الدكتور بوكاي : "إن رواية التوراة بشأن خروج اليهود مع موسى عليه السلام من مصر تؤيد بقوة الفرضية القائلة بأن منبتاح خليفة رمسيس الثاني هو فرعون مصر في زمن موسى عليه السلام ، وإن الدراسة الطبية لمومياء منبتاح قدمت لنا معلومات مفيدة أخرى بشأن الأسباب المحتملة لوفاة هذا الفرعون. إن التوراة تذكر أن الجثة ابتلعها البحر ولكنها لا تعطي تفصيلا بشأن ما حدث لها لاحقاً. أما القرآن فيذكر أن جثة الفرعون الملعون سوف تنقذ من الماء كما جاء في الآية السابقة، وقد أظهر الفحص الطبي لهذه المومياء أن الجثة لم تظل في الماء مدة طويلة ، إذ أنها لم تظهر أية علامات للتلف التام بسبب المكوث الطويل في الماء."(5)و قد أخبرني الدكتور موريس في مقابلة معه أنه أحد الأطباء الذين قاموا بالكشف على جثة فرعون فوجدوا فيها :

1- آثار الموت غرقاً .

2- آثار ملح ماء البحر.

3- أظهرت أشعة X تكسير العظام دون تمزق الجلد واللحم مما يدل أن كسر العظام كان بسبب ضغط الماء.

ويبين الدكتور بوكاي وجه الإعجاز في هذه القضية قائلاً : "وفي العصر الذي وصل فيه القرآن للناس عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم ، كانت جثث كل الفراعنة الذين شك الناس في العصر الحديث صواباً أو خطاً أن لهم علاقة بالخروج، كانت مدفونة بمقابر وادي الملوك بطيبة على الضفة الأخرى للنيل أمام مدينة الأقصر الحالية . في عصر محمد صلى الله عليه وسلم كان كل شئ مجهولاً عن هذا الأمر ولم تكتشف هذه الجثث إلا في نهاية القرن التاسع عشر(6)وبالتالي فإن جثة فرعون موسى التي مازالت ماثلة للعيان إلى اليوم تعد شهادة مادية في جسد محنط لشخص عرف موسى عليه السلام، وعارض طلباته ، وطارده في هروبه ومات في أثناء تلك المطاردة ، وأنقذ الله جثته من التلف التام ليصبح آية للناس كما ذكر القرآن الكريم"(7). وهذا المعلومة التاريخية عن مصير جثة فرعون لم تكن في حيازة أحد من البشر عند نزول القرآن ولا بعد نزوله بقرون عديدة ، لكنها بينت في كتاب الله على لسان النبي الأمي ، مما يشهد بأن مصدر هذا العلم هو الوحي الإلهي .

3- قصة الصلب :

ومن أنباء الأولين التي ظل الناس في شك من حقيقة أمرها القصة التي تذكر صلب عيسى عليه السلام كما في الأناجيل عند النصارى ، فقد شهد قوم عيسى عليه السلام وكذلك جماهير الرومان حادثة صلب ، ولم يساورهم شك في أن عيسى عليه السلام قتل وصلب، إلا أن الحواريين شاهدوا عيسى عليه السلام بعد حادثة الصلب المزعوم حياً، كما ورد ذلك في إنجيل لوقا8)." وفيما هم يتكلمون بهذا وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم سلام لكم. فجزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحاً. فقال لهم ما بالكم مضطربين. ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم. انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو. جسّوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي. وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه. وبينما هم غير مصدقين من الفرح ومتعجبون قال لهم أعندكم ههنا طعام ؟ فناولوه جزءاً من سمك مشوي وشيئاً من شهد عسل. فأخذ وأكل قدامهم ". وقد أصبح الجميع في حيرة من حقيقة الأمر، فالناس يقولون : إنه صلب وقد رأوا ذلك رأي العين، والحواريون يقولون : إنهم قابلوه بعد حادثة الصلب المزعوم بجسده وروحه حياً يرزق .ولم يجدوا تفسيراً لهذا التناقض إلا قولهم : إنه صلب ومات ودفن ثم بعث من بين الأموات ، ولكن القرآن الكريم جاء ليكشف عن هذا السر ويزيل ذلك الغموض فقال تعالى: ﴿ وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا(157)بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158)﴾ (النساء:157-158). فالحقيقة أن الذي صلب هو الشبه، فالذين قالوا : "رأيناه مصلوباً" أخبروا بما رأوا إذ ظنوا الشبه هو عيسى عليه السلام نفسه ، والذين قالوا : "رأيناه بعد الحادثة" هم على حق، لأنه لم يصلب ، وأتى القرآن الكريم بالعلم الذي يكشف الحقيقة ويخرج الناس من الاختلاف(9).وهذا النوع من الإعجاز يعد من أدلة صدق الرسول صلى الله عليه وسلم، لأن القصة وقعت بعيدة عن زمن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصار أهلها في ارتباك وحيرة، ويأتي نبي أمي في أمة أمية بعد قرون يكشف لهم السر ويبين لهم التفسير الحقيقي للمشاهدات التي تبدو متناقضة ، فيرفع عنها التناقض ويزيل الإشكال. وهذا دليل على أن هذا العلم الذي جاء علي يد النبي الأمي لا يمكن أن يكون إلا من عند الله .وبعد اعتناق العدد الكثير من الأحبار والرهبان الإسلام طوال التاريخ إقراراً بصدق ما جاء في القرآن من خبر صادق عن التاريخ الصحيح للرسل وأتباعهم ، والذي جاء على يد نبي أمي ليس في ثقافة قومه شئ من هذه الأخبار .

ثانيا : الإخبار بغيب الحاضر في وقت نزول القرآن

لا أحد من البشر يعلم ما يدور في نفوس الناس ، أو ما يقع في مكانٍ بعيدٍ عنهم وليس له وسيلة للاتصال بهم ، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم كان ينزل عليه الوحي فيكشف ما كان يدور في نفوس الناس ويخفونه عنه ، أو ما يحاك ضده أو ضد غيره من مكائد ، فيطلعه الله عليها ويكشفها لأصحابها. وقد كان المنافقون يعيشون في رعب من أن يفضح الله أسرارهم كما قال تعالى : ﴿ يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ ﴾ (التوبة:64). بل إن بعض ما كان يخفيه بعض المؤمنين من أسرارٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطلعه الله عليه فينزل عليه الوحي به ، فيخبرهم بذلك ، كما حدث ذلك لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم. قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ﴾ (التحريم:3). والإخبار بما تخفي الصدور ، وبالغيب الذي كان يقع بعيداً عن النبي صلى الله عليه وسلم يعد من الأدلة على صدق رسالته ، وأن ما علمه بشأنها إنما هو وحي من الله جل وعلا، ومن ذلك هاتان الحادثتان :

الحادثة الأولى : قصة حاطب

قال الله تعالى : ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(1) إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ(2)لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(3)﴾ (الممتحنة:1-3).

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله :-" كان سبب نزول صدر هذه الآيات الكريمة قصة حاطب بن أبي بلتعة(10)، وذلك أن حاطباً هذا كان رجلاً من المهاجرين وكان من أهل بدر أيضاً وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم بل كان حليفاً لعثمان. فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة لما نقض أهلها العهد فأمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالتجهيز لغزوهم وقال " اللهم عم عليهم خبرنا"(11)فعمد حاطب هذا فكتب كتاباً وبعثه مع امرأة من قريش إلى أهل مكة يعلمهم بما عزم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوهم ليتخذ بذلك عندهم يداً ، فأطلع الله تعالى على ذلك رسوله صلى الله عليه وسلم استجابة لدعائه فبعث في إثر المرأة فأخذ الكتاب منها ، وهذا بين في هذا الحديث المتفق على صحته فعن علي رضي الله عنه يقول : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير والمقداد فقال "انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ(12)فإن بها ظعينة معها كتاب ، قلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب قال فأخرجت الكتاب من عقاصها ظفائر شعرها ، فأخذنا الكتاب فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا فيه من حاطب بن أبي بلتعة إلى أناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا حاطب ما هذا ؟ قال لا تعجل عليّ إني كنت أمرءاً ملصقاً في قريش، ولم أكن من أنفسهم وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون أهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم أن اتخذ عندهم يداً يحمون بها قرابتي ، وما فعلت ذلك كفراً ولا ارتداداً عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنه صدقكم" فقال عمر : دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله r : "إنه قد شهد بدراً وما يدريك لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". وفي رواية للبخاري فأنزل الله السورة ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ …﴾ (الممتحنة:1) (13). فمن أخبر النبي r بما فعل حاطب ، ومن دله على المكان الذي سيجد فيه رسله تلك المرأة ؟! إنه الوحي الذي أيد الله به رسوله ، وكشف له به ما غاب عنه .

الحادثة الثانية : قصة بني أُبيرق :

عن قتادة بن النعمان(14)، قال : كان أهل بيت منا يقال لهم : بنو أبيرقٍ: بشر، وبشير، ومبشر ، وكان بشير رجلاً منافقاً، يقول الشعر يهجو به أصحاب النبي r ، ثم يَنْحَلُه بعض العرب، ثم يقول : قال فلان : كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول الله r ذلك الشعر، قالوا: والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث، أو كما قال الرجل ، وقالوا : ابن الأبيرق قالها. قال : وكانوا أهل بيت حاجة وفاقة، في الجاهلية والإسلام، وكان الناس إنما طعامهم بالمدينة التمر والشعير، وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافِطَة قافلة من الإبل المحملة من الشام من الدَرْمَك(15)ابتاع الرجل منها فخص بها نفسه، وأما العيال ، فإنما طعامهم التمر والشعير، فقدمت ضافطة من الشام فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدَرْمَك فجعله في مَشْرَبَة(16)له، وفي المشربة سلاح: درع وسيف ، فعدي عليه من تحت البيت ، فنقبت المشربة وأخذ الطعام والسلاح. فلما أصبح أتاني عمي رفاعة، فقال : يا ابن أخي إنه قد عدي علينا في ليلتنا هذه ، فنقبت مشربتنا، وذهب بطعامنا وسلاحنا، قال : فتحسسنا في الدار، وسألنا فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق استوقدوا في هذه الليلة، ولا نرى ، فيما نرى إلا على بعض طعامكم، قال : وكان بنو أبيرق ، قالوا - ونحن نسأل في الدار - والله ما نرى صاحبكم إلا لَبِيد بن سهل ، رجل منا ، له صلاح وإسلام، فلما سمع لبيد اخترط سيفه ، وقال : أنا أسرق؟ فو الله ليخالطنكم هذا السيف ، أو لتبينن هذه السرقة. قالوا: إليك عنا أيها الرجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها، فقال لي عمي : يا ابن أخي لو أتيت رسول الله r فذكرت ذلك له. قال قتادة: فأتيت رسول الله rفقلت : إن أهل بيت منا أهل جفاء ، عمدوا إلى عمي رفاعة بن زيد فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردوا علينا سلاحنا، فأما الطعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النبي r : سآمرُ في ذلك ، فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم ، يقال له: أُسَيرُ بن عروة، فكلموه في ذلك، واجتمع في ذلك ناس من أهل الدار، فقالوا: يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح، يرمونهم بالسرقة من غير بينة، ولا ثبت. قال قتادة : فأتيت رسول الله r فكلمته فقال: عَمَدْتَ إلى أهل بيت، ذكر منهم إسلام وصلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثَبَتٍ وبينةٍ؟. قال : فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله r في ذلك، فأتاني عمي رفاعة، فقال : يا ابن أخي ما صنعت، فأخبرته بما قال لي رسول الله r فقال : الله المستعان ، فلم يلبث أن نزل القرآن. ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا(105)وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا(106)وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا(107)يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا(108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا(109)وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا(110)وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا(111)وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(112) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا(113)﴾(النساء:105-113).فلما نزل القرآن أُتي رسول الله r بالسلاح فرده إلى رفاعة ، فقال قتادة: لما أتيت عمى بالسلاح،وكان شيخاً قد عشا أو عسا(17)- الشك من أبي عيسى - في الجاهلية ، وكنت أرى إسلامه مدخولاً(18)، فلما أتيته قال : يا ابن أخي هو في سبيل الله، فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً. فلما نزل القرآن، لحق بشير بالمشركين(19) .ومن هذه الحادثة يتبين لنا أن محمداً r رجل من البشرلا يعلم الغيب، وإنما يأتيه علم الغيب الذي خفي على الناس من لدن الله العليم الخبيروذلك شاهد بنبوته r.

ثالثاً : غيب المستقبل " ولتعلمن نبأه بعد حين "

ومن أعظم الدلالات على صدق رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم إخباره بالغيب الذي سيكون في المستقبل ، لأن المستقبل محجوب عن البشر لا يعلمه إلا الله . وظهور صدق إخباره بغيب المستقبل في الدنيا ؛ دليل على صدق خبره بغيب الآخرة وهذه أمثلة على غيب المستقبل التي كشفها الله لرسوله قبل وقوعها :

المثال الأول : " غلبت الروم "

أخبر القرآن الكريم بأن الروم التي غلبتها فارس في بيت المقدس سوف تعاود الكرة وتخوض حرباً جديدة مع الفرس ، يكون النصر فيها للروم ، وذلك في مدة لا تتجاوز بضع سنين قال تعالى:﴿ الم(1)غُلِبَتِ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُون(3)﴾ (الروم:1-3). وقوله تعالى:﴿ وهم من بعد غلبهم سيغلبون ﴾ إخبار بغيب سيقع في مدة لا تقل عن ثلاث سنوات ، ولا تزيد عن تسع سنوات ، كما يدل على ذلك لفظ بضع(20). وسبب نزول هذه الآيات بهذا الخبر الغيبي هو أن مشركي قريش فرحوا بظهور الفرس عبدة الأوثان على الروم أهل الكتاب ، بل وأظهروا الشماتة والتشفي بالمسلمين حتى قال قائلهم : سنفعل بكم كما فعله الفرس بالروم ، مما أحزن المسلمين؛ لأنهم يرون أن أهل الكتاب أقرب إليهم من المشركين فأنزل الله هذه الآيات(21).

إن إعلان هذا الخبر عرض نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لامتحان صعب ، فالمدة المضروبة لانتصار الروم محدودة ، والدولتان خرجتا لتوهما من حرب كانت نتيجتها غلبة الفرس على الروم، وهناك احتمال قوى أن هذه النتيجة ستدفع المنتصر لمتابعة انتصاراته وتجر المنهزم لمزيد من الهزائم . لكن النبي صلى الله عليه وسلم بلّغ الناس بهذا الخبر الذي جاءه من ربه ، وهو يعلم أنه يضع دينه ومستقبله وأصحابه رهن تحقق هذه النبوءة ، بانتصار الدولة المغلوبة المهزومة، وفي زمن محدد تظهر نتيجته في بضع سنين ، ومثل هذا لا يصدر إلا من نبي يوقن بوعد ربه الذي يملك مصير الأمم والدول والجيوش ويعلم ما يكون في المستقبل وقد راهن أبوبكر الصديق رضي الله عنه على تحقيق هذا الخبر بعض مشركي قريش، فكان رهاناً بين الإسلام والكفر، موضوعه مدى صدق هذا الخبر الغيبي في المدة المحدودة . وقد فرح المسلمون بتحقق هذا الخبر الذي وقع بعد سبع سنوات ، وكانوا يومئذ في صلح الحديبية والنبي r بين ظهرانيهم ، وكان ذلك سبباً في إسلام خلق كثير من الكفار(22)وصدق الله العظيم إذ يقول:

﴿ الم(1)غُلِبَتِ الرُّومُ(2)فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ(3)فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ(4)بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(5)وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(6)﴾ (الروم:1-6).

المثال الثاني : دخول المسجد الحرام والفتح القريب

قال تعالى : ﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ءَامِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ (الفتح:27).

كان رسول الله r قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت ، ورؤيا الأنبياء وحي ، فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة ، فلما ساروا عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تفسر في ذلك العام .

فعندما صدتهم قريش عن دخول مكة المكرمة وأداء عمرتهم ، وقع في نفس بعض الصحابة رضي الله عنهم من ذلك شئ ، حتى سأل عمر بن الخطاب(23)رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فقال له فيما قال : أفلم تكن تخبرنا أنا سنأتي البيت ونطوف به ؟ قال : بلى. أفأخبرتك أنك تأتيه عامك هذا ؟ قال : لا. قال النبي r : فإنك آتيه ومطوف به(24). وعقد رسول الله r في ذلك العام مع مشركي قريش صلح الحديبية الذي كان فتحاً قريباً وفتحاً