الى جميع الاعضاء والزوار ..... نرجوا التوجه لقسم الا لعاب والمسابقات لترشيح عضو للجلوس على كرسي الاعتراف ....... للدخول من جوجل اكتب دريــــــــــمز
العودة   ღ منتديات انفينيتي دريمز ღ > موسوعة انفنيتي > موسوعة الكتب الاسلامية


الإهداءات
تغاريد : سلوى شاهين شوكلاته الحياة ابتسامه تسلموووون حبايبي ومانحرم منكم يارب     الحياه ابتسامه : هلا والله وغلا بغرودة المنتدى مساء الفل والياسمين نورتي يالغلا     شوكلاتة : مســـــــاااء الفل والجووووري والياسميـــــن حبيبتـــــــي [[[ غرووووودهـ ">">"> وحشتينــــااااااااا وبقووووووووهـ يالغــــلااااااااا     سلوىشاهين : مساء النور والسرور حبيبتي تغاريد الحمد لله على سلامتك هلا وغلا     تغاريد : مــســـاء الـــ خ ــــير لــجــمــيع المتواجدون واتمنى لكم اسعد الاوقات    

« آخـــر الـــمـــشـــاركــــات »
         :: درجات الحرارة الآن و مباشرة من بعض مدن المملكة {{{ تتحدث كل دقيقة }}} (آخر رد :تغاريد)       :: نصائح طبيه يقولون مجربه والله اعلم للبنات (آخر رد :رهف)       :: سامحني لكن سوف أجعلك تبتسم : ) .... (آخر رد :رهف)       :: حلى فاخر ولذيذ .... (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: عقوبة الذي يجمع الصلاة بدون عذر؟؟؟ (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: سك الباب على يد العضو اللي تختاره..... (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: [*[*[ لعبــــــــــ [[ آمـــر تدلل ]] ـــــــــــــة ]*]*] (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: لعبة تحدي بيين الشباب والبنات ؟ نشوف الغلبه لمين (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: [[[[[[[[[ الــــــــووورد لـ ......... ؟؟؟ ]]]]]]] (آخر رد :الحياه ابتسامه)       :: اكتب كلمة بدون نقاط !!!?? (آخر رد :الحياه ابتسامه)      


الملخص الفقهي الجزء الثاني

إضافة رد
 
LinkBack أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1 (permalink)  
قديم 05-14-2008, 07:26 PM
الصورة الرمزية رحــــ R7aal ـــااالــ
][][][ اآلآدآرة ][][][
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
الدولة: المملكه العربيه السعوديه
المشاركات: 2,370
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى رحــــ R7aal ـــااالــ
Lightbulb الملخص الفقهي الجزء الثاني

الملخص الفقهي الجزء الثاني


الجزء الثاني
قسم المعاملات وغيرها
تلخيص
صالح بن فوزان بن عبدالله آل فوزان
غفر الله له ولوالديه ولجميع المسلمين

كتاب البيوع
باب في أحكام البيوع
وضح الله في كتابه الكريم وبين النبي صلى الله عليه وسلم في سنته المطهرة أحكام المعاملات ; لحاجة الناس إلى ذلك , لحاجتهم إلى الغذاء الذي تقوى به أبدانهم , وإلى الملابس والمساكن والمراكب وغيرها من ضروريات الحياة ومكملاتها .
• والبيع جائز بالكتاب والسنة والإجماع والقياس : - قال تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ
وقال تعالى : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ
- وقال النبي صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا , فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما , وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما .
- وقد أجمع العلماء على ذلك في الجملة .
- وأما القياس فمن ناحية : أن حاجة الناس داعية إلى وجود البيع ; لأن حاجة الإنسان تتعلق بما في يد صاحبه من ثمن أو مثمن , وهو لا يبذله إلا بعوض , فاقتضت الحكمة جواز البيع للوصول إلى الغرض المطلوب .
وينعقد البيع بالصيغة القولية أو الصيغة الفعلية . - والصيغة القولية تتكون من : الإيجاب وهو اللفظ الصادر من البائع , كأن يقول : بعت . والقبول وهو اللفظ الصادر من المشتري , كأن يقول : اشتريت .
- والصيغة الفعلية هي المعاطاة التي تتكون من الأخذ والإعطاء , كأن يدفع إليه السلعة , فيدفع له ثمنها المعتاد .
- وقد تكون الصيغة مركبة من القولية والفعلية .
قال الشيخ تقي الدين رحمه الله : " بيع المعاطاة له صور :
إحداها: أن يصدر من البائع إيجاب لفظي فقط , ومن المشتري أخذ ; كقوله : خذ هذا الثوب بدينار فيأخذه , وكذلك لو كان الثمن معينا ; مثل أن يقول : خذ هذا الثوب بثوبك فيأخذه .
الثانية : أن يصدر من المشتري لفظ , ومن البائع إعطاء , سواء كان الثمن معينا أو مضمونا في الذمة .
الثالثة : أن لا يلفظ واحد منهما , بل هناك عرف بوضع الثمن وأخذ المثمن " انتهى .
باب في أحكام البيوع (تابع)
ويشترط لصحة البيع شروط , منها ما يشترط في العاقدين ومنها ما يشترط في المعقود عليه , إذا فقد منها شرط لم يصح البيع : - فيشترط في العاقدين :
أولا : التراضي منهما , فلا يصح البيع إذا كان أحدهما مكرها بغير حق ; لقوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وقال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما البيع عن تراض رواه ابن حبان وابن ماجه وغيرهما , فإن كان الإكراه بحق صح البيع ; كما لو أكرهه الحاكم على بيع ما له لوفاء دينه , فإن هذا إكراه بحق .
ثانيا : يشترط في كل من العاقدين أن يكون جائز التصرف ; بأن يكون حرا مكلفا رشيدا , فلا يصح البيع والشراء من صبي وسفيه ومجنون ومملوك بغير إذن سيده .
ثالثا : يشترط في كل من العاقدين أن يكون مالكا للمعقود عليه أو قائما مقام مالكه , لقول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام : لا تبع ما ليس عندك رواه ابن ماجه والترمذي وصححه ; أي : لا تبع ما ليس في ملكك من الأعيان . قال الوزير : " اتفقوا على أنه لا يجوز بيع ما ليس عنده ولا في ملكه , ثم يمضي فيشتريه له , وأنه باطل " .
- ويشترط في المعقود عليه في البيع
أولا : أن يكون مما يباح الانتفاع به مطلقا ; فلا يصح بيع ما يحرم الانتفاع به ; كالخمر والخنزير وآلة اللهو والميتة ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله حرم بيع الميتة والخمر والأصنام متفق عليه , ولأبي داود : حرم الخمر وثمنها , وحرم الميتة وثمنها , وحرم الخنزير وثمنه ولا يصح بيع الأدهان النجسة ولا المتنجسة ; لقوله صلى الله عليه وسلم : إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه وفي المتفق عليه : أرأيت شحوم الميتة فإنها تطلى بها السفن , وتدهن بها الجلود , ويستصبح بها الناس ؟ فقال : لا , هو حرام
ثانيا : ويشترط في المعقود عليه في البيع من ثمن ومثمن أن يكون مقدورا على تسليمه ; لأن ما لا يقدر على تسليمه شبيه بالمعدوم , فلم يصح بيعه ; فلا يصح بيع عبد آبق ولا بيع جمل شارد , ولاطير في الهواء , ولا بيع مغصوبمن غير غاصبه أو قادر على أخذه من الغاصب .
ثالثا : يشترط في الثمن والمثمن أن يكون كل منهما معلوما عند المتعاقدين , لأن الجهالة غرر , والغرر منهي عنه ; فلا يصح شراء ما لم يره , أو رآه وجهله , ولا بيع حمل في بطن ولبن في ضرع منفردين , ولا يصح بيع الملامسة كأن يقول : أي ثوب لمسته فهو عليك بكذا , ولا بيع المنابذة ; كأن يقول : أي ثوب نبذته إلي - أي : طرحته - فهو بكذا , لحديث أبي هريرة رضي الله عنه : " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة " متفق عليه , ولا يصح بيع الحصاة ; كقوله : ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا .
باب في بيان البيوع المنهي عنها
الله سبحانه أباح لعباده البيع والشراء , ما لم يترتب على ذلك تفويت لما هو أنفع وأهم ; كأن يزاحم ذلك أداء عبادة واجبة , أو يترتب على ذلك إضرار بالآخرين .
فلا يصح البيع ولا الشراء ممن تلزمه صلاة الجمعة بعد ندائها الثاني ; لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فقد نهى الله سبحانه وتعالى عن البيع وقت النداء لصلاة الجمعة لئلا يتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها , وخص البيع لأنه من أهم ما يشتغل به المرء من أسباب المعاش , والنهي يقتضي التحريم وعدم صحة البيع , ثم قال تعالى : ذَلِكُمْ يعني : الذي ذكرت لكم من ترك البيع وحضور الجمعة , خَيْرٌ لَكُمْ من الاشتغال بالبيع , إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مصالح أنفسكم , وكذلك التشاغل بغير البيع عن الصلاة محرم .
وكذلك بقية الصلوات المفروضة لا يجوز التشاغل عنها بالبيع والشراء وغيرهما بعدما ينادى لحضورها في المساجد , قال تعالى : فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
وكذلك لا يصح بيع الشيء على من يستعين به على معصية الله ويستخدمه فيما حرم الله , فلا يصح بيع العصير على من يتخذه خمرا ; لقوله تعالى : وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وذلك إعانة على العدوان .
باب في بيان البيوع المنهي عنها (تابع)
وكذا لا يجوز ولا يصح بيع سلاح في وقت الفتنة بين المسلمين ; لئلا يقتل به مسلم , وكذا جميع آلات القتال لا يجوز بيعها في مثل هذه الحالة ; لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك , ولقوله : وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
قال ابن القيم : " قد تظاهرت أدلة الشرع على أن القصود في العقود معتبرة , وأنها تؤثر في صحة العقد وفساده , وفي حله وحرمته , فالسلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلما حرام باطل ; لما فيه من الإعانة على الإثم والعدوان , وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل الله , فهو طاعة وقربة , وكذا لا يجوز بيع سلاح لمن يحاربون المسلمين أو يقطعون به الطريق , لأنه إعانة على معصية " .
ولا يجوز بيع عبد مسلم لكافر إذا لم يعتق عليه ; لما في ذلك من الصغار وإذلال المسلم للكافر , وقد قال الله تعالى : وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " الإسلام يعلو ولا يعلى عليه "
* ويحرم بيعه على بيع أخيه المسلم كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة : أنا أعطيك مثلها بتسعة , أو أعطيك خيرا منها بثمنها , قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ولا يبع بعضكم على بيع بعض " متفق عليه , وقال صلى الله عليه وسلم : " لا يبع الرجل على بيع أخيه " متفق عليه .
وكذا يحرم شراؤه على شرائه , كأن يقول لمن باع سلعته بتسعة : أشتريها منك بعشرة . وكم يحصل اليوم في أسواق المسلمين من أمثال هذه المعاملات المحرمة , فيجب على المسلم اجتناب ذلك , والنهي عنه , وإنكاره على من فعله .
* ومن البيوع المحرمة : بيع الحاضر للبادي والحاضر : هو المقيم في المدن والقرى , والبادي : القادم من البادية أو غيرها ; لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا يبع حاضر لباد " قال ابن عباس رضي الله عنه : " لا يكون له سمسارا ( أي : دلالا ) يتوسط بين البائع والمشتري " .
وقال صلى الله عليه وسلم : " دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " وكما أنه لا يجوز للحاضر أن يتولى بيع سلعة البادي , كذلك لا ينبغي له أن يشتري له . والممنوع هو أن يذهب الحاضر إلى البادي ويقول له : أنا أبيع لك أو أشتري لك . أما إذا جاء البادي للحاضر , وطلب منه أن يبيع له أو يشتري له فلا مانع من ذلك .
* ومن البيوع المحرمة : بيع العينة وهو أن يبيع سلعة على شخص بثمن مؤجل , ثم يشتريها منه بثمن حال أقل من المؤجل , كأن يبيع عليه سيارة بعشرين ألفا إلى أجل , ثم يشتريها منه بخمسة عشر ألفا حالة يسلمها له , وتبقى العشرون الألف في ذمته إلى حلول الأجل ; فيحرم ذلك لأنه حيلة يتوصل بها إلى الربا , فكأنه باع دراهم مؤجلة بدراهم حالة مع التفاضل , وجعل السلعة حيلة فقط .
قال النبي صلى الله عليه وسلم : إذا تبايعتم بالعينة , وأخذتم أذناب البقر , وتركتم الجهاد , سلط الله عليكم ذلا , لا ينزعه منكم حتى ترجعوا إلى دينكم وقال صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع
باب في أحكام الشروط في البيع
• الشروط في البيع كثيرة الوقوع , وقد يحتاج المتبايعان أو أحدهما إلى شرط أو أكثر , فاقتضى ذلك البحث في الشروط , وبيان ما يصح ويلزم منها وما لا يصح .
• والفقهاء رحمهم الله يعرفون الشرط في البيع بأنه إلزام أحد المتعاقدين الآخر بسبب العقد ما له فيه منفعة , ولا يعتبر الشرط في البيع عندهم ساري المفعول إلا إذا اشترط في صلب العقد ; فلا يصح الاشتراط قبل العقد ولا بعده .
• والشروط في البيع تنقسم إلى قسمين : صحيحة وفاسدة :
أولا : الشروط الصحيحة : وهي الشروط التي لا تخالف مقتضى العقد وهذا القسم يلزم العمل بمقتضاه ; لقوله صلى الله عليه وسلم : " المسلمون على شروطهم " ولأن الأصل في الشروط الصحة , إلا ما أبطله الشارع ونهى عنه .والقسم الصحيح من الشروط نوعان :
النوع الأول : شرط لمصلحة العقد بحيث يتقوى به العقد , وتعود مصلحته على المشترط ; كاشتراط التوثيق بالرهن , أو اشتراط الضامن , وهذا يطمئن البائع , واشتراط تأجيل الثمن أو تأجيل بعضه إلى مدة معلومة , وهذا يستفيد منه المشتري , فإذا وفي بهذا الشرط , لزم البيع , وكذلك لو اشترط المشتري صفة في المبيع , مثل كونه من النوع الجيد أو من الصناعة الفلانية أو الإنتاج الفلاني ; لأن الرغبات تختلف باختلاف ذلك , فإن أتى المبيع على الوصف المشترط لزم البيع , وإن اختلف عنه ; فللمشتري الفسخ أو الإمساك مع تعويضه عن فقد الشرط , بحيث يقوم المبيع مع تقدير وجود الصفة المشترطة , ثم يقوم مع فقدها , ويدفع له الفرق بين القيمتين إذا طلب .
النوع الثاني من الشروط الصحيحة في البيع : أن يشترط أحد المتعاقدين على الآخر بذل منفعة مباحة في المبيع ; كأن يشترط البائع سكنى الدار المبيعة مدة معينة , أو أن يحمل على الدابة أو السيارة المبيعة إلى موضع معين ; لما روى جابر : " أن النبي صلى الله عليه وسلم باع جملا واشترط ظهره إلى المدينة " متفق عليه , فالحديث يدل على جواز بيع الدابة مع استثناء ركوبها إلى موضع معين , ويقاس عليها غيرها , وكذا لو اشترط المشتري على البائع بذل عمل في المبيع ; كأن يشتري منه حطبا , ويشترط عليه حمله إلى موضع معلوم , أويشتري منه ثوبا , ويشترط عليه خياطته .
ثانيا : الشروط الفاسدة : وهذا القسم أنواع :
النوع الأول : شرط فاسد يبطل العقد من أصله , ومثاله أن يشترط أحدهما على الآخر عقدا آخر , كأن يقول : بعتك هذه السلعة بشرط أن تؤجرني دارك , أو يقول : بعتك هذه السلعة بشرط أن تشركني معك في عملك الفلاني أو في بيتك , أو يقول : بعتك هذه السلعة بكذا بشرط أن تقرضني مبلغ كذا من الدراهم ; فهذا الشرط فاسد , وهو يبطل العقد من أساسه , لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيعتين في بيعة وقد فسر الإمام أحمد رحمه الله الحديث بما ذكرنا .
النوع الثاني من الشروط الفاسدة في البيع : ما يفسد في نفسه , ولا يبطل البيع ; مثل أن يشترط المشتري على البائع أنه إن خسر في السلعة ردها عليه , أو شرط البائع على المشتري أن لا يبيع السلعة ونحو ذلك فهذا شرط فاسد ; لأنه يخالف مقتضى العقد , لأن مقتضى البيع أن يتصرف المشتري في السلعة تصرفا مطلقا , ولقوله صلى الله عليه وسلم : " من اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط " متفق عليه , والمراد بكتاب الله هنا حكمه ; ليشمل ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
والبيع لا يبطل مع بطلان هذا الشرط ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة بريرة حينما اشترط بائعها ولاءها له إن أعتقت أبطل الشرط , ولم يبطل العقد , وقال صلى الله عليه وسلم : " إنما الولاء لمن أعتق "
* إنه ينبغي للمسلم الذي يشتغل بالبيع والشراء أن يتعلم أحكام البيع وما يصح فيه من الشروط وما لا يصح ; حتى يكون على بصيرة في معاملته , ولتنقطع الخصومات والمنازعات بين المسلمين ; فإن غالبها ينشأ من جهل المتبايعين أو أحدهما بأحكام البيع , واشتراطهم شروطا فاسدة .
باب في أحكام الخيار في البيع
* دين الإسلام دين سمح شامل , يراعي المصالح والظروف , ويرفع الحرج والمشقة عن الأمة , ومن ذلك ما شرعه في البيع من إعطاء الخيار للعاقد , ليتروى في أمره وينظر في مصلحته من وراء تلك الصفقة ; فيقدم على ما يؤمل من ورائه الخير , ويحجم ويتراجع عما لا يراه في مصلحته .
* فالخيار في البيع معناه طلب خير الأمرين من الإمضاء أو الفسخ
وهو ثمانية أقسام : -
أولا : خيار المجلس أي المكان الذي جرى فيه التبايع ; فلكل من المتبايعين الخيار ما داما في المجلس , ودليله قوله صلى الله عليه وسلم : " إذا تبايع الرجلان ; فكل واحد منهما بالخيار , ما لم يتفرقا وكانا جميعا " قال العلامة ابن القيم رحمه الله : " في إثبات الشارع خيار المجلس في البيع حكمة ومصلحة للمتعاقدين , وليحصل تمام الرضى الذي شرطه تعالى بقوله : عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ فإن العقد يقع بغتة من غير ترو ولا نظر في القيمة ; فاقتضت محاسن هذه الشريعة الكاملة أن يجعل للعقد حرما يتروى فيه المتبايعان , ويعيدان النظر , ويستدرك كل واحد منهما , فلكل من المتبايعين الخيار بموجب هذا الحديث الشريف ; ما لم يتفرقا بأبدانهما من مكان التبايع , فإن أسقطا الخيار بأن تبايعا على أن لا خيار لهما أو أسقطه أحدهما سقط , ولزم البيع في حقهما أو حق من أسقطه منهما بمجرد العقد ; لأن الخيار حق للعاقد , فيسقط بإسقاطه ولقوله صلى الله عليه وسلم : ما لم يتفرقا أو يخير أحدهما الآخر ويحرم على أحدهما أن يفارق أخاه بقصد إسقاط الخيار ; لحديث عمرو بن شعيب وفيه : ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله
ثانيا : خيار الشرط بأن يشترط المتعاقدان الخيار في صلب العقد أو بعد العقد في مدة خيار المجلس مدة معلومة ; لقوله صلى الله عليه وسلم : المسلمون على شروطهم ولعموم قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ
ويصح أن يشترط المتبايعان الخيار لأحدهما دون الآخر ; لأن الحق لهما , فكيفما تراضيا جاز.
- ثالثا : خيار الغبن إذا غبن في البيع غبنا يخرج عن العادة ; فيخير المغبون منهما بين الإمساك والرد ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار ولقوله صلى الله عليه وسلم : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه والمغبون لم تطب نفسه بالغبن , فإن كان الغبن يسيرا قد جرت به العادة فلا خيار .
وخيار الغبن يثبت في ثلاث صور :
الصورة الأولى من صور خيار الغبن : تلقي الركبان , والمراد بهم القادمون لجلب سلعهم في البلد , فإذا تلقاهم , واشترى منهم , وتبين أنه قد غبنهم غبنا فاحشا ; فلهم الخيار , لقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تلقوا الجلب , فمن تلقاه فاشترى منه , فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار رواه مسلم ; فنهى صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب خارج السوق الذي تباع فيه السلع , وأمر أنه إذا أتى البائع السوق الذي تعرف فيه قيم السلع , وعرف ذلك فهو بالخيار بين أن يمضي البيع أو يفسخ .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " أثبت النبي صلى الله عليه وسلم للركبان الخيار إذا تلقوا ; لأن فيه نوع تدليس وغش " . وقال ابن القيم : " نهى عن ذلك ; لما فيه من تغرير البائع , فإنه لا يعرف السعر , فيشتري منه المشتري بدون القيمة , ولذلك أثبت له النبي صلى الله عليه وسلم الخيار إذا دخل السوق , ولا نزاع في ثبوت الخيار له مع الغبن ; فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل , فيكون المشتري غارّا له , وكذا البائع إذا باعهم شيئا ; فلهم الخيار إذا هبطوا السوق , وعلموا أنهم غبنوا غبنا يخرج عن العادة " انتهى .
الصورة الثانية من صور خيار الغبن : الغبن الذي يكون سببه زيادة الناجش في ثمن السلعة , والناجش : هو الذي يزيد في السلعة وهو لا يريد شراءها , وإنما يريد رفع ثمنها على المشتري , وهذا عمل محرم , قد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : ولا تناجشوا لما في ذلك من تغرير المشتري وخديعته , فهو في معنى الغش . ومن صور النجش المحرم أن يقول صاحب السلعة : أعطيت بها كذا وكذا وهو كاذب , أو يقول : اشتريتها بكذا وهو كاذب . ومن صور النجش المحرم أن يقول صاحب السلعة : لا أبيعها إلا بكذا أو كذا , لأجل أن يأخذها المشتري بقريب مما قال , كأن يقول في سلعة ثمنها خمسة : أبيعها بعشرة ; ليأخذها المشتري بقريب من العشرة .
الصورة الثالثة من صور الغبن الذي يثبت به الخيار : غبن المسترسل .
قال الإمام ابن القيم : " وفي الحديث : غبن المسترسل ربا والمسترسل : هو الذي يجهل القيمة ولا يحسن أن يناقص في الثمن , بل يعتمد على صدق البائع لسلامة سريرته , فإذا غبن غبنا فاحشا ; ثبت له الخيار " . والغبن محرم ; لما فيه من التغرير للمشتري . ومما يجري في بعض أسواق المسلمين - وهو محرم - أن بعض الناس حينما يجلب إلى السوق سلعة , يتفق أهل السوق على ترك مساومتها , ويعمدون واحدا منهم يسومها من صاحبها , فإذا لم يجد من يزيد عليه , اضطر لبيعها عليه برخص , ثم اشترك البقية مع المشتري , وهذا غبن وظلم محرم , ويثبت لصاحب السلعة - إذا علم بذلك - الخيار وسحب سلعته منهم ; فيجب على من يفعل مثل هذا التغرير أن يتركه ويتوب منه , ويجب على من علم ذلك أن ينكره على من يفعله ويبلغ المسئولين لردعهم عن ذلك .
- رابعا : خيار التدليس أي الخيار الذي يثبت بسبب التدليس , والتدليس : هو إظهار السلعة المعيبة بمظهر السليمة , مأخوذ من الدلسة بمعنى : الظلمة ; كأن البائع بتدليسه صير المشتري في ظلمة , فلم يتم إبصاره للسلعة , وهو نوعان :
النوع الأول : كتمان عيب السلعة .
والنوع الثاني : أن يزوقها وينمقها بما يزيد به ثمنها .
والتدليس حرام , وتسوغ به الشريعة للمشتري الرد , لأنه إنما بذل ماله في المبيع بناء على الصفة التي أظهرها له البائع , ولو علم أنه على خلافها لما بذل ماله فيها .
ومن أمثلة التدليس الواردة : تصرية الغنم والبقر والإبل , وهي حبس لبنها في ضروعها عند عرضها للبيع , فيظنها المشتري كثيرة اللبن دائما , قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تصروا الإبل والغنم , فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء أمسك , وإن شاء ردها وصاعا من تمر
ومن أمثلة التدليس تزويق البيوت المعيبة للتغرير بالمشتري والمستأجر , وتزويق السيارات حتى تظهر بمظهر غير المستعملة للتغرير بالمشتري , وغير ذلك من أنواع التدليس . يجب على المسلم أن يصدق ويبين الحقيقة , قال صلى الله عليه وسلم : البيعان بالخيار ما لم يتفرقا , فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما , وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما فأخبر صلى الله عليه وسلم أن الصدق في البيع والشراء من أسباب البركة , وأن الكذب من أسباب محق البركة , فالثمن وإن قل مع الصدق يبارك الله فيه , وإن كثر الثمن مع الكذب فهو ممحوق البركة لا خير فيه .
- خامسا : خيار العيب أي الخيار الذي يثبت للمشتري بسبب وجود عيب في السلعة لم يخبره به البائع أو لم يعلم به البائع , لكنه تبين أنه موجود في السلعة قبل البيع , وضابط العيب الذي يثبت به الخيار هو ما تنقص بسببه قيمة المبيع عادة أو تنقص به عينه , وترجع معرفة ذلك إلى التجار المعتبرين , فما عدوه عيبا , ثبت الخيار به , وما لم يعدوه عيبا ينقص القيمة أو عين المبيع , لم يعتبر , فإذا علم المشتري بالعيب بعد العقد , فله الخيار بين أن يمضي البيع ويأخذ عوض العيب , وهو مقدار الفرق بين قيمة المبيع صحيحا وقيمته معيبا , وبين أن يفسخ البيع ويرد السلعة ويسترجع الثمن الذي دفعه للمشتري .
- سادسا : ما يسمى بخيار التخبير بالثمن وهو ما إذا باع السلعة بثمنها الذي اشتراها به , فأخبره بمقداره , ثم تبين أنه أخبر بخلاف الحقيقة , كأن تبين أن الثمن أكثر أو أقل مما أخبره به , أو قال : أشركتك معي في هذه السلعة برأس مالي , أو قال : بعتك هذه السلعة بربح كذا وكذا على رأس مالي فيها , أو قال : بعتك هذه السلعة بنقص كذا وكذا عما اشتريتها به ; ففي هذه الصور الأربع إذا تبين أن رأس المال خلاف ما أخبره به ; فله الخيار بين الإمساك والرد , على قول في المذهب , والقول الثاني : أنه في هذه الحالة لا خيار للمشتري , ويجري الحكم على الثمن الحقيقي , ويسقط عنه الزائد , والله أعلم .
سابعا : خيار يثبت إذا اختلف المتبايعان في بعض الأمور , كما إذا اختلفا في مقدار الثمن , أو اختلفا في عين المبيع , أو قدره , أو اختلفا في صفته , ولا بينة لأحدهما , فحينئذ يتحالفان , فيحلف كل منهما على ما يدعيه , ثم بعد التحالف لكل منهما الفسخ إذا لم يرض بقول الأخر .
ثامنا : خيار يثبت للمشتري إذا اشترى شيئا بناء على رؤية سابقة , ثم وجده قد تغيرت صفته , فله الخيار حينئذ بين إمضاء البيع وفسخه , والله أعلم .
باب في أحكام التصرف في البيع قبل قبضه والإقالة
* نتناول في هذا الباب إن شاء الله أحكام التصرف في المبيع قبل قبضه - ما يصح وما لا يصح - مع بيان ما يحصل به قبض المبيع ويعد قبضا صحيحا , وما لا يعد قبضا صحيحا .
* اعلم أنه لا يصح التصرف في المبيع قبل قبضه إذا كان مكيلا أو موزونا أو معدودا أو مذروعا باتفاق الأئمة , وكذا إذا كان غير ذلك على الصحيح الراجح من قولي العلماء رحمهم الله , لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من ابتاع طعاما , فلا يبعه حتى يستوفيه متفق عليه , وفي لفظ : حتى يقبضه ولمسلم : حتى يكتاله .
قال ابن عباس رضي الله عنهما : " ولا أحسب غيره إلا مثله " , أي غير الطعام , بل ورد ذلك صريحا كما روى الإمام أحمد : إذا اشتريت شيئا , فلا تبعه حتى تقبضه وروى أبو داود : نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التاجر إلى رحالهم
قال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمهما الله : " علة النهي عن البيع قبل القبض عجز المشتري عن تسلمه ; لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه , لا سيما إذا رأى المشتري قد ربح , فإنه يسعى في رد البيع ; إما بجحد أو احتيال على الفسخ , وتأكد ذلك بالنهي عن ربح ما لم يضمن " انتهى .
فيجب على المسلمين أن يتقيدوا بذلك , فإذا اشترى المسلم سلعة , لم يقدم على التصرف فيها ببيع أو غيره حتى يقبضها قبضا تاما , وهذا مما يتساهل فيه كثير من الناس أو يتجاهلونه , فيشترون السلع ثم يبيعونها وهم لم يقبضوها من البائع أصلا أو قبضوها قبضا ناقصا لا يعد قبضا صحيحا , كأن يعد الأكياس أو الطرود أو الصناديق وهي في محل البائع , ثم يذهب ويبيعها على آخر , وهذا لا يعد قبضا صحيحا , يترتب علية جواز تصرف المشتري فيها .
* فإن قلت : ما هو القبض الصحيح الذي يسوغ للمشتري التصرف في السلعة ؟ فالجواب أن قبض السلع يختلف باختلاف نوعيتها , وكل نوع له قبض يناسبه , فإذا كان المبيع مكيلا فقبضه بالكيل , وإن كان موزونا فقبضه بالوزن , وإن كان معدودا فقبضه بالعد , وإن كان مذروعا فقبضه بالذرع , مع حيازة هذه الأشياء إلى مكان المشتري , وما كان كالثياب والحيوانات والسيارات فقبضه بنقله إلى مكان المشتري , وإن كان المبيع مما يتناول باليد كالجواهر والكتب ونحوها فقبضه يحصل بتناول المشتري له بيده وحيازته , وإن كان المبيع مما لا يمكن نقله من مكانه ; كالبيوت والأراضي والثمر على رءوس الشجر , فقبضه يحصل بالتخلية , بأن يمكن منه المشتري , ويخلى بينه وبينه ليتصرف فيه تصرف المالك , وتسليم الدار ونحوها بأن يفتح له بابها أو يسلمه مفتاحها .
* وقد مر من الأحاديث في النهي عن التصرف في المبيع قبل قبضه المعتبر شرعا ; لما في ذلك من المصلحة للمشتري والبائع ; من قطع النزاع , والسلامة من الخصومات التي كثيرا ما تنشب بين الناس بسبب تساهلهم في القبض وعدم تفقد المشتري للسلعة واستيفائها بالوفاء والتمام وانقطاع عهدة البائع بها , وهذا أمر ينبغي للمسلم التقيد به وتطبيقه في معاملته .
* وكثير من الناس اليوم يتساهلون في قبض السلع , ويتصرفون فيها قبل القبض الشرعي , فيرتكبون ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه وسلم , فيقعون في الخصومات والمنازعات , أو يصابون بالندامة عندما تنكشف لهم السلعة على حقيقتها وقد تورطوا فيها ; فلا يستطيعون الخلاص منها إلا بمرافعات ومدافعات , وهكذا كل من خالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فلا بد أن يندم ويقع في الحرج .
* ومما حث عليه الرسول صلى الله عليه وسلم ورغب فيه : إقالة أحد المتعاقدين للآخر بفسخ البيع عندما يندم على العقد أو تزول حاجته بالسلعة أو يعسر بالثمن , قال النبي صلى الله عليه وسلم : من أقال مسلما أقال الله عثرته يوم القيامة والإقالة معناها : رفع العقد , ورجوع كل من المتعاقدين بما كان له من غير زيادة ولا نقص , وهي من حق المسلم على أخيه المسلم عندما يحتاج إليها , وهي من حسن المعاملة , ومن مقتضى الأخوة الإيمانية .
باب في بيان الربا وحكمه
* هذا الموضوع من أخطر المواضيع , وهو موضوع الربا الذي أجمعت الشرائع على تحريمه وتوعد الله المتعامل به بأشد الوعيد : قال تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ فأخبر سبحانه أن الذين يتعاملون بالربا ( لا يقومون ) أي من قبورهم عند البعث ( إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) أي إلا كما يقوم المصروع حال صرعه , وذلك لتضخم بطونهم بسبب أكلهم الربا في الدنيا .
كما توعد الله سبحانه الذي يعود إلى أكل الربا بعد معرفة تحريمه بأنه من أصحاب النار الخالدين فيها , قال تعالى : وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ
كما أخبر الله سبحانه أنه يمحق بركة الربا , قال تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا أي يمحق بركة المال الذي خالطه الربا فمهما كثرت أموال المرابي وتضخمت فهي ممحوقة البركة لا خير فيها , وإنما هي وبال على صاحبها , تعب في الدنيا وعذاب في الآخرة , ولا يستفيد منها . وقد وصف الله المرابي بأنه كفار أثيم , قال تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ فأخبر الله سبحانه أنه لا يحب المرابي , وحرمانه من محبة الله يستلزم أن الله يبغضه ويمقته , وتسميته كَفّارا , أي : مبالغا في كفر النعمة , وهو الكفر الذي لا يخرج من الملة ; فهو كفار لنعمة الله ; لأنه لا يرحم العاجز , ولا يساعد الفقير , ولا ينظر المعسر , أو المراد أنه كَفّار الكفرَ المخرج من الملة إذا كان يستحل الربا , وقد وصفه الله في هذه الآية بأنه أثيم ; أي : مبالغ في الإثم , منغمس في الأضرار المادية والخلقية .
وقد أعلن الله الحرب منه ومن رسوله على المرابي لأنه عدو لهما إن لم يترك الربا , ووصفه بأنه ظالم , قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وإلى جانب هذه الزواجر القرآنية عن التعامل بالربا جاءت زواجر في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ; فقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من الكبائر الموبقة ; أي المهلكة , ولعن صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وشاهديه وكاتبه , كما أخبر صلى الله عليه وسلم أن درهما واحدا من الربا أشد من ثلاث وثلاثين زنية في الإسلام , أو ست وثلاثين زنية وأخبر أن الربا اثنان وسبعون بابا , أدناها مثل إتيان الرجل أمه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " وتحريم الربا أشد من تحريم الميسر , وهو القمار , لأن المرابي قد أخذ فضلا محققا من محتاج , والمقامر قد يحصل له فضل وقد لا يحصل له فضل ; فالربا ظلم محقق , لأن فيه تسليط الغني على الفقير ; بخلاف القمار فإنه قد يأخذ فيه الفقير من الغني , وقد يكون المتقامران متساويين في الغنى والفقر ; فهو وإن كان أكلا للمال بالباطل , وهو محرم ; فليس فيه من ظلم المحتاج وضرره ما في الربا , ومعلوم أن ظلم المحتاج أعظم من ظلم غير المحتاج " انتهى .
وأكل الربا من صفات اليهود التي استحقوا عليها اللعنة الخالدة والمتواصلة , قال الله تعالى : فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا
* والحكمة في تحريم الربا : أن فيه أكلا لأموال الناس بغير حق , لأن المرابي يأخذ منهم الربا من غير أن يستفيدوا شيئا في مقابله , وأن فيه إضرارا بالفقراء والمحتاجين بمضاعفة الديون عليهم عند عجزهم عن تسديدها , وأن فيه قطعا للمعروف بين الناس , وسدا لباب القرض الحسن , وفتحا لباب القرض بالفائدة التي تثقل كاهل الفقير , وفيه تعطيل للمكاسب والتجارات والحرف والصناعات التي لا تنتظم مصالح العالم إلا بها , لأن المرابي إذا تحصل على زيادة ماله بواسطة الربا بدون تعب ; فلن يلتمس طرقا أخرى للكسب الشاق , والله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم قائما على أن تكون استفادة كل واحد من الآخر في مقابل عمل يقوم به نحوه أو عين يدفعها إليه , والربا خال عن ذلك ; لأنه عبارة عن إعطاء المال مضاعفا من طرف لآخر بدون مقابلة من عين ولا عمل .
* والربا في اللغة معناه الزيادة , وهو في الشرع زيادة في أشياء مخصوصة ,
وينقسم إلى قسمين : ربا النسيئة , وربا الفضل .
* بيان ربا النسيئة وربا النسيئة مأخوذ من النسء , وهو التأخير , وهو نوعان : أحدهما : قلب الدين على المعسر , وهذا هو أصل الربا في الجاهلية أن الرجل يكون له على الرجل المال المؤجل , فإذا حل الأجل ; قال له : أتقضي أم تربي ؟ فإن وفاه وإلا زاد هذا في الأجل وزاد هذا في المال , فيتضاعف المال في ذمة المدين , فحرم الله ذلك بقوله : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ فإذا حل الدين , وكان الغريم معسرا , لم يجز أن يقلب الدين عليه , بل يجب إنظاره , وإن كان موسرا كان عليه الوفاء ; فلا حاجة إلى زيادة الدين مع يسر المدين ولا مع عسره .
النوع الثاني من ربا النسيئة : ما كان في بيع كل جنسين اتفقا في علة ربا الفضل مع تأثير قبضهما أو قبض أحدهما ; كبيع الذهب بالذهب , والفضة بالفضة , والبر بالبر , والشعير بالشعير , والتمر بالتمر , والملح بالملح , وكذا بيع جنس بجنس من هذه المذكورات مؤجلا , وما شارك هذه الأشياء في العلة يجري مجراها وسيأتي بيان ذلك .
* بيان ربا الفضل وربا الفضل مأخوذ من الفضل , وهو عبارة عن الزيادة في أحد العوضين .
وقد نص الشارع على تحريمه في ستة أشياء هي : الذهب , والفضة , والبر , والشعير , والتمر , والملح , فإذا بيع أحد هذه الأشياء بجنسه , حرم التفاضل بينهما قولا واحدأ ; لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه مرفوعا : " الذهب بالذهب , والفضة بالفضة , والبر بالبر , والشعير بالشعير , والتمر بالتمر , والملح بالملح ; مثلا بمثل , يدا بيد " رواه الإمام أحمد ومسلم , فدل الحديث على تحريم بيع الذهب بالذهب بجميع أنواعه من مضروب وغيره , وعن بيع الفضة بالفضة بجميع أنواعها ; إلا مثلا بمثل , يدا بيد , سواء بسواء , وعن بيع البر بالبر , والشعير بالشعير , والتمر بالتمر ; بجميع أنواعها , والملح بالملح ; إلا متساوية , مثلا بمثل , سواء بسواء , يدا بيد ,
ويقاس على هذه الأشياء الستة ما شاركها في العلة ; فيحرم فيه التفاضل عند جمهور أهل العلم ; إلا أنهم اختلفوا في تحديد العلة . والصحيح أن العلة في النقدين الثمنية , فيقاس عليهما كل ما جعل أثمانا ; كالأوراق النقدية المستعملة في هذه الأزمنة , فيحرم فيها التفاضل إذا بيع بعضها ببعض مع اتحاد الجنس بأن تكون صادرة من دولة واحدة .
والصحيح أن العلة في بقية الأصناف الستة البر والشعير والتمر والملح هي الكيل أو الوزن , مع كونها مطعومة , فيتعدى الحكم إلى ما شاركوا في تلك العلة مما يكال أو يوزن وهو مما يطعم , فيحرم فيه ربا التفاضل .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " والعلة في تحريم ربا الفضل الكيل أو الوزن مع الطعم , وهو رواية عن أحمد " انتهى . فعلى هذا , كل ما شرك هذه الأشياء الستة المنصوص عليها في تحقق هذه العلة فيه , بأن يكون مكيلا مطعوما أو موزونا مطعوما أو تحققت فيه علة الثمنية إن كان من النقود , فإنه يدخله الربا : فإن انضاف إلى العلة اتحاد الجنس ; كبيع بر ببر مثلا , حرم فيه التفاضل والتأجيل ; لقوله صلى الله عليه وسلم : الذهب بالذهب , والفضة بالفضة , والبر بالبر , والشعير بالشعير , والتمر بالتمر , والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد وإن اتحدت العلة مع اختلاف الجنس , كالبر بالشعير ; حرم فيه التأجيل , وجاز فيه التفاضل ; لقوله صلى الله عليه وسلم : فإذا اختلفت هذه الأشياء فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد رواه مسلم وأبو داود , ومعنى قوله : " يدا بيد " ; أي حالا مقبوضا في المجلس قبل افتراق أحدهما عن الآخر .
وإن اختلفت العلة والجنس ; جاز الأمران : التفاضل , والتأجيل ; كالذهب بالبر , والفضة بالشعير . ثم لنعلم أنه لا يجوز بيع مكيل بجنسه إلا كيلا ولا موزون بجنسه إلا وزنا ; لقوله صلى الله عليه وسلم : الذهب بالذهب وزنا بوزن , والفضة بالفضة وزنا بوزن , والبر بالبر كيلا بكيل , والشعير بالشعير كيلا بكيل ولأن ما خولف فيه معياره الشرعي لا يتحقق فيه التساوي , فلا يجوز بيع مكيل بجنسه جزافا , ولا بيع موزون بجنسه جزافا ; لعدم العلم بالتساوي , والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل .
* ثم إن تعريف الصرف
هو بيع نقد بنقد سواء اتحد الجنس أو اختلف , وسواء كان النقد من الذهب أو الفضة أو من الأوراق النقدية المتعامل بها في هذا الزمان ; فإنها تأخذ حكم الذهب والفضة ; لاشتراكهما معا في علة الربا , وهي الثمنية . - فإذا بيع نقد بجنسه ; كذهب بذهب , أو فضة بفضة , أو ورق نقدي بجنسه ; كدولار بمثله , أو دراهم ورقية سعودية بمثلها ; وجب حينئذ التساوي في المقدار والتقابض في المجلس .
- وإن بيع نقد بنقد من غير جنسه ; كدراهم سعودية ورقية بدولارات أمريكية مثلا , وكذهب بفضة ; وجب حينئذ شيء واحد , وهو الحلول والتقابض في المجلس , وجاز التفاضل في المقدار , وكذا إذا بيع حلي من الذهب بدراهم فضة أو بورق نقدي ; وجب الحلول والتقابض في المجلس , وكذا إذا بيع حلي من الفضة بذهب مثلا .
- أما إذا بيع الحلي من الذهب أو الفضة بحلي أو نقد من جنسه ; كأن يباع الحلي من الذهب بذهب , والحلي من الفضة بفضة ; وجب الأمران : التساوي في الوزن , والحلول والتقابض في المجلس .
* وخطر الربا عظيم , ولا يمكن التحرز منه إلا بمعرفة أحكامه , ومن لم يستطع معرفتها بنفسه ; فعليه أن يسأل أهل العلم عنها , ولا يجوز له أن يقدم على معاملة إلا بعد تأكده من خلوها من الربا ; ليسلم بذلك دينه , وينجو من عذاب الله الذي توعد به المرابين , ولا يجوز تقليد الناس فيما هم عليه من غير بصيرة ; خصوصا في وقتنا هذا الذي كثر فيه عدم المبالاة بنوعية المكاسب , وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه في آخر الزمان يكثر استعمال الربا , ومن لم يأكله , ناله من غباره .
* ومن المعاملات الربوية المعاصرة قلب الدين على المعسر إذا حل ولم يكن عنده سداد ; زيد عليه الدين بكميات ونسبة معينة حسب التأخير , وهذا هو ربا الجاهلية , وهو حرام بإجماع المسلمين , وقال الله تعالى فيه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ففي هذه الآية الكريمة جملة تهديدات عن تعاطي هذا النوع من الربا :
أولا : أنه سبحانه نادى عباده باسم الإيمان : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا وقال : إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فدل على أن تعاطي الربا لا يليق بالمؤمن .
ثانيا : قال تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ فدل على أن الذي يتعاطى الربا لا يتقي الله ولا يخافه .
ثالثا : قال تعالى : وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا أي : اتركوا , وهذا أمر بترك الربا , والأمر يفيد الوجوب , فدل على أن من يتعاطى الربا قد عصى أمر الله .
رابعا : أنه سبحانه أعلن الحرب على من لم يترك التعامل بالربا ; فقال تعالى : فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي لم تتركوا الربا ; فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ أي : اعلموا أنكم تحاربون الله ورسوله .
خامسا : تسمية المرابي ظالما , وذلك في قوله تعالى : فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ
* ومن المعاملات الربوية : القرض بالفائدة بأن يقرضه شيئا , بشرط أن يوفيه أكثر منه , أو يدفع إليه مبلغا من المال على أن يوفيه أكثر منه بنسبة معينة , كما هو المعمول به في البنوك , وهو ربا صريح , فالبنوك تقوم بعقد صفقات القروض بينها وبين ذوي الحاجات وأرباب التجارات وأصحاب المصانع والحرف المختلفة , فتدفع لهؤلاء مبالغ من المال نظير فائدة محددة بنسبة مئوية , وتزداد هذه النسبة في حالة التأخر عن السداد في الموعد المحدد , فيجتمع في ذلك الربا بنوعيه ; ربا الفضل , وربا النسيئة .
* ومن المعاملات الربوية ما يجري في البنوك من الإيداع بالفائدة وفي الودائع الثابتة إلى أجل , يتصرف فيها البنك إلى تمام الأجل , ويدفع لصاحبها فائدة ثابتة بنسبة معينة في المائة ; كعشرة أو خمسة في المائة .
* ومن المعاملات الربوية بيع العينة
وهو أن يبيع سلعة بثمن مؤجل على شخص , ثم يعود ويشتريها منه بثمن حالّ أقل من الثمن المؤجل , وسميت هذه المعاملة بيع العينة , لأن مشتري السلعة إلى أجل يأخذ بدلها عينا ; أي نقدا حاضرا , والبيع بهذه الصورة إنما هو حيلة للتوصل إلى الربا , وقد جاء النهي عن هذه المعاملة في أحاديث وآثار كثيرة , منها قوله صلى الله عليه وسلم : إذا تبايعتم بالعينة , وأخذتم أذناب البقر , ورضيتم بالزرع , وتركتم الجهاد , سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم رواه أبو داود , وقال صلى الله عليه وسلم : يأتي على الناس زمان يستحلون الربا بالبيع
* فاحذروا من دخول الربا في معاملاتكم , واختلاطه بأموالكم , فإن أكل الربا وتعاطيه من أكبر الكبائر , وما ظهر الربا والزنى في قوم إلا ظهر فيهم الفقر والأمراض المستعصية وظلم السلطان , والربا يهلك الأموال ويمحق البركات .
* لقد شدد الله الوعيد على أكل الربا , وجعل أكله من أفحش الخبائث وأكبر الكبائر , وبين عقوبة المرابي في الدنيا والآخرة , وأخبر أنه محارب لله ولرسوله ; فعقوبته في الدنيا أنه يمحق بركة المال ويعرضه للتلف والزوال , فكم تسمعون من تلف الأموال العظيمة بالحريق والغرق والفيضان , فيصبح أهلها فقراء بين الناس , وإن بقيت هذه الأموال الربوية بأيدي أصحابها , فهي ممحوقة البركة , لا ينتفعون منها بشيء , إنما يقاسون أتعابها , ويتحملون حسابها , ويصلون عذابها , والمرابي مبغوض عند الله وعند خلقه ; لأنه يأخذ ولا يعطي , يجمع ويمنع , لا ينفق ولا يتصدق , شحيح جشع , جموع منوع , تنفر منه القلوب , وينبذه المجتمع ; وهذه عقوبة عاجلة , وعقوبته الآجلة أشد وأبقى ; كما بينها الله في كتابه , وما ذاك إلا لأن الربا مكسب خبيث , وسحت ضار , وكابوس ثقيل على المجتمعات البشرية .
باب في أحكام بيع الأصول
* الأصول هي
الدور والأراضي والأشجار , وما يتبع تلك الأصول إذا بيعت مما يتعلق بها ; فيكون للمشتري , وما لا يتبعها , فيبقى على ملك البائع , ومعرفة ذلك ينحسم بها النزاع بين الطرفين , ويعرف كل ما له وما عليه , لأن ديننا لم يترك شيئا لنا فيه مصلحة أو علينا فيه مضرة إلا بينه , فإذا طبق هذا الدين ونفذت أحكامه ; لم يبق مجال للنزاع والخصومات , ومن ذلك ما نحن بصدد الحديث عنه ; فقد يبيع الإنسان شيئا من ماله , وهذا الشيء يتعلق به توابع ومكملات ومرافق , أو يكون له نماء متصل أو منفصل , فيقع اختلاف بين المتبايعين : أيهما يستحق هذه التوابع ; ولأجل الحكم بينهما في هذا الاختلاف ; عقد الفقهاء رحمهم الله بابا في الفقه الإسلامي سموه : " باب بيع الأصول والثمار " , بينوا فيه ذلك .
* فإذا باع دارا ; شمل البيع بناءها وسقفها , لأن ذلك كله داخل في مسمى الدار , وشمل أيضا ما يتصل بها مما هو من مصلحتها ; كالأبواب المنصوبة , والسلالم , والرفوف المسمرة بها , والآليات المركبة فيها , كالرافعات , والأدوات الكهربائية , والقناديل المعلقة للإضاءة , وخزانات المياه المدفونة في الأرض , أو المثبتة فوق السطوح , والأنابيب الممدة لتوزيع الماء , وأدوات التكييف المثبتة في أماكنها لتكييف الهواء أو لتسخين الماء , ويشمل البيع أيضا ما في الدار من أشجار وزراعة , وما أقيم فيها من مظلات , ويشمل البيع أيضا ما في باطن أرض الدار من معدن جامد .
أما ما كان مودعا في الدار وما هو منفصل عنها ; فلا يشمله البيع ; كالأخشاب , والحبال , والأواني , والفرش المنفصلة , وما دفن في أرضها للحفظ ; كالحجارة , والكنوز , وغيرها , فكل هذه الأشياء لا يشملها البيع ; لأنها منفصلة عن الدار ; فلا تدخل في مسماها ; إلا ما كان يتعلق بمصلحتها , كالمفاتيح , فإنه يتبعها , ولو كان منفصلا عنها .
* وإذا باع أرضا , شمل البيع كل ما هو متصل بها مما يستمر بقاؤه فيها ; كالغراس , والبناء.
* وكذا لو باع بستانا ; شمل البيع أرضه , وشجره , وحيطانه , وما فيه من منازل , ولو باع أرضا فيها زرع لا يحصد إلا مرة , كالبر والشعير , فهو للبائع , ولا يشمله العقد , وإن كان في الأرض المبيعة زرع يجز مرارا , كالقث , أو يلقط مرارا ; كالقثاء والباذنجان , فإن أصوله تكون لمشتري الأرض تبعا للأرض , وأما الجزة واللقطة الظاهرتان عند البيع , فإنهما تكونان للبائع .
* وكل ما ذكر من هذا التفصيل فيما يتبع البائع وما يتبع المشتري عند بيع الأصول إذا لم يوجد شرط بينهما , أما إذا وجد شرط يلحق هذه الأشياء بأحدهما دون الآخر ; وجب العمل به , لقوله صلى الله عليه وسلم : المسلمون على شروطهم
* ومن باع نخلا قد أبّر طلعه , فثمره للبائع , لقول النبي صلى الله عليه وسلم : من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر , فثمرتها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع متفق عليه , والتأبير هو التلقيح , ومثل النخل في هذا الحكم شجر العنب والتوت والرمان , إذا بيع بعد ظهور ثمره ; كان ثمره للبائع , وما قبل التأبير في النخل والظهور في العنب ونحوه يكون للمشتري ; لمفهوم الحديث الشريف في النخيل , وقياس غيره عليه .
* ومن هذا تفهم كمال هذه الشريعة الإسلامية , وحلها لمشاكل الناس , وأنها تعطي كل ذي حق حقه ; من غير ظلم ولا إضرار بالآخرين ; فما من مشكلة إلا وضعت لها حلا كافيا , مشتملا على المصلحة والحكمة , تشريع من حكيم حميد , يعلم مصالح عباده وما يضرهم في كل زمان ومكان .
وصدق الله العظيم حيث يقول : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا فلا يحسم النزاع بين الناس ويحقق المصالح ويقنع النفوس المؤمنة ; إلا حكم الله ورسوله , أما أنظمة البشر , فهي قاصرة قصور البشر , وتدخلها الأهواء والنزعات ; كما قال الله تعالى : وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ فتبا وبعدا وسحقا لعقول تستبدل حكم الله ورسوله بقوانين البشر , أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ نسأل الله أن ينصر دينه , ويعلي كلمته , ويحمي المسلمين من كيد أعدائهم , إنه سميع مجيب .
باب في أحكام بيع الثمار
* المراد بالثمار ما على النخيل وغيرها من الثمار المقصودة للأكل .
* إذا بيعت هذه الثمار دون أصولها ; فإنه لا يصح ذلك قبل بدو صلاحها ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها نهى البائع والمبتاع متفق عليه ; فنهى صلى الله عليه وسلم البائع عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ; لئلا يأكل المال بالباطل , ونهى المشتري ; لأنه يعين على أكل المال بالباطل , وفي " الصحيحين " : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهو . قيل : وما زهوها ؟ قال : تحمار أو تصفار والنهي في الحديثين يقتضي فساد المبيع وعدم صحته .
* وكذا لا يجوز بيع الزرع قبل اشتداد حبه لما روى مسلم عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع النخل حتى يزهو , وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة ; نهى البائع والمشتري فدل هذا الحديث على منع بيع الزرع حتى يبدو صلاحه , وبدو صلاحه أن يبيض ويشتد ويأمن العاهة .
* والحكمة في النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه وعن بيع الزرع قبل اشتداد حبه , لأنه في تلك الفترة معرض للآفات غالبا , معرض للتلف ; كما بيّن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : أرأيت إن منع الله الثمرة ; بم يأخذ أحدكم مال أخيه وقال في السنبل : حتى يبيض ويأمن العاهة والعاهة هي الآفة التي تصيبه فيفسد , وفي ذلك رمة بالناس , وحفظ لأموالهم , وقطع للنزاع الذي قد يفضي إلى العداوة والبغضاء .
* ومن هنا ندرك حرمة مال المسلم ; فقد قال صلى الله عليه وسلم : أرأيت إن منع الله الثمرة ; بم يستحل أحدكم مال أخيه ؟ ففي هذا تنبيه وزجر للذين يحتالون على الناس لاقتناص أموالهم بشتى الحيل ; كما أن في الحديث حثا للمسلم على حفظ ماله وعدم إضاعته ; حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم المشتري أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها وغلبة السلامة عليها , لأنها لو تلفت وقد بذل فيها ماله ; لضاع عليه , وصعب استرجاعه من البائع أو تعذر .
كما نفهم من الحديث الشريف تعليق الحكم بالغالب , لأن الغالب على الثمرة قبل بدو صلاحها التلف ; فلا يجوز بيعها , والغالب عليها بعد بدو صلاحها السلامة , فيجوز بيعها . ونأخذ من الحديث أيضا أنه لا يجوز للإنسان أن يخاطر بماله ويعرضه للضياع , ولو عن طريق المعاوضة غير المأمونة العاقبة .
* وحيث علمنا مما سبق أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل بدو صلاحها ; فإنما يعني ذلك إذا بيعت منفردة عن أصولها بشرط البقاء , أما إذا كانت تابعة لأصولها أو بغير شرط البقاء , فإن ذلك يجوز , وذلك في ثلاث صور ذكرها الفقهاء رحمهم الله :
الصورة الأولى : إذا بيع الثمر قبل بدو صلاحه بأصوله ; بأن يبيع الثمر مع الشجر , فيصح ذلك , ويدخل الثمر تبعا , وكذا إذا باع الزرع الأخضر مع أرضه ; جاز ذلك , ودخل الزرع الأخضر تبعا .
الصورة الثانية : إذا بيع الثمر قبل بدو صلاحه أو الزرع الأخضر لمالك الأصل ; أي : مالك الشجر أو مالك الأرض , جاز ذلك أيضا ; لأنه إذا باعهما لمالك الأصل , فقد حصل التسليم للمشتري على الكمال لملكه الأصل والقرار , فصح البيع ; على خلاف في هذه الصورة ; لأن بعض العلماء يرى أن هذه الصورة تدخل في عموم النهي عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه .
الصورة الثالثة : بيع الثمر قبل بدو صلاحه والزرع قبل اشتداد حبه بشرط القطع في الحال , وكان يمكن الانتفاع بهما إذا قطعا , لأن المنع من البيع لخوف التلف وحدوث العاهة , وهذا مأمون فيما يقطع في الحال , أما إذا لم ينتفع بهما إذا قطعا , فإنه لا يصح بيعهما , لأن ذلك إفساد وإضاعة للمال , وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال .
* ويجوز على الصحيح من قولي العلماء بيع ما يتكرر أخذه كالقت والبقل والقثاء والباذنجان , فيجوز بيع لقطته وجزته الحاضرة والمستقبلة .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " الصحيح أن هذه لم تدخل في نهي النبي صلى الله عليه وسلم , بل يصح العقد على اللقطة الموجودة واللقطة المعدومة إلى أن تيبس المقثاة , لأن الحاجة داعية إلى ذلك , فيجوز بيع المقاثي دون أصولها " .
وقال العلامة ابن القيم رحمه الله : " وإنما نهى عن بيع الثمار التي يمكن تأخير بيعها حتى يبدو صلاحها , فلم تدخل المقاثي في نهيه " انتهى .
باب في وضع الجوائح
* الجوائح جمع جائحة , وهي الآفة التي تصيب الثمار فتهلكها , مأخوذة من الجوح وهو الاستئصال .
* فإذا بيعت الثمرة بعد بدو صلاحها , حيث يجوز بيعها عند ذلك , فأصيبت بآفة سماوية أتلفتها , والآفة السماوية هي ما لا صنع للآدمي فيها ; كالريح , والحر , والعطش , والمطر , والبرد , والجراد . .. ونحو ذلك من الآفات القاهرة التي تأتي على الثمار فتتلفها , فإذا كانت هذه الثمرة التالفة قد بيعت ولم يتمكن المشتري من أخذها حتى أصيبت وتلفت , فإن المشتري يرجع على البائع , ويسترد منه الثمن الذي دفعه له ; لحديث جابر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح رواه مسلم , فدل هذا الحديث على أن الثمرة التالفة تكون من ملك البائع , وأنه لا يستحق على المشتري من ثمنها شيئا , فإن تلفت كلها ; رجع المشتري بالثمن كله , وإن تلف بعضها , رجع المشتري على البائع فيما يقابله من الثمن , لعموم الحديث , وسواء كان البيع قبل بدو الصلاح أو بعده ; لعموم الحديث , ولقوله صلى الله عليه وسلم : بم تأخذ مال أخيك بغير حق ؟
وإذا كان التالف يسيرا لا ينضبط ; فإنه يفوت على المشتري , ولا يكون من مسئولية البائع ; لأن هذا مما جرت به العادة , ولا يسمى جائحة , ولا يمكن التحرز منه , كما لو أكل منه الطير أو تساقط في الأرض ونحو ذلك , وحدده بعض العلماء بما دون الثلث , والأقرب أنه لا يتحدد بذلك , بل يرجع فيه إلى العرف ; لأن التحديد يحتاج إلى دليل .
* وقد علل العلماء رحمهم الله تضمين البائع جائحة الثمرة بأن قبض الثمرة على رءوس الشجر بالتخلية قبض غير تام , فهو كما لو لم يقبضها .
* هذا ما يتعلق بتلف الثمرة بجائحة سماوية , أما إذا تلفت بفعل آدمي بنحو حريق ; فإنه حينئذ يخير المشتري بين فسخ البيع ومطالبة البائع بما دفع من الثمن ويرجع البائع على المتلف فيطالبه بضمان ما أتلف , وبين إمضاء البيع ومطالبة المتلف ببدل ما أتلف .
* وعلامة بدو الصلاح في غير النخل - أي : العلامة التي يعرف بها صلاح الثمرة الذي علق عليه النبي صلى الله عليه وسلم جواز بيعها في غير النخل - تختلف باختلاف الشجر ; فبدو الصلاح في العنب : أن يتموه حلوا ; لقول أنس : نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع العنب حتى يسود رواه أحمد ورواته ثقات , وعلامة بدو الصلاح في بقية الثمار كالتفاح والبطيخ والرمان والمشمش والخوخ والجوز ونحو ذلك : أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله ; لأنه عليه الصلاة والسلام نهى عن بيع الثمرة حتى تطيب متفق عليه , وفي لفظ : حتى يطيب أكلها وبدو الصلاح في نحو قثاء أن يؤكل عادة , وعلامة بدو الصلاح في الحب أن يشتد ويبيض , لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل اشتداد الحب غاية لصحة بيعه .
باب فيما يتبع المبيع وما لا يتبعه
باب في ما يتبع المبيع وما لا يتبعه هناك أشياء تدخل تبع المبيع , فتكون للمشتري ; ما لم يستثنها البائع , من ذلك :
* من باع عبدا أو دابة , تبع المبيع ما على العبد من ثياب العادة , وما على الدابة من اللجام والمقود والنعل , فيدخل ما ذكر في مطلق البيع ; لجريان العادة به , وما لم تجر العادة بتبعيته للمبيع ولم يكن من حاجة المبيع , كمال العبد وما عليه من ثياب الجمال ; فهذا لا يتبع المبيع ; لقوله صلى الله عليه وسلم : من باع عبدا وله مال ; فماله لبائعه ; إلا أن يشترط المبتاع رواه مسلم ; فدل على أن مال العبد لا يدخل معه في البيع إذا بيع , لأن البيع إنما يقع على العبد , والمال زائد عنه , فهو كما لو كان له عبدان , فباع أحدهما , ولأن العبد وماله لسيده , فإذا باع العبد ; بقي المال .
* فإذا اشترط المشتري دخول المال الذي مع العبد في البيع , دخل , لقوله صلى الله عليه وسلم : إلا أن يشترط المبتاع
باب في أحكام السلم
* السلم أو السلف تعريفه
هو تعجيل الثمن , وتأجيل المثمن , ويعرفه الفقهاء رحمهم الله بأنه عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد .
* وهذا النوع من التعامل جائز بالكتاب والسنة والإجماع : - قال الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ قال ابن عباس رضي الله عنهما : " أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه " , ثم قرأ هذه الآية .
- ولما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين والثلاث , قال : من أسلف في شيء ( وفي لفظ : في ثمر ) ; فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم متفق عليه , فدل هذا الحديث على جواز السلم بهذه الشروط .
- وقد حكى ابن المنذر وغيره إجماع العلماء على جوازه . وحاجة الناس داعية إليه ; لأن أحد المتعاقدين يرتفق بتعجيل الثمن , والآخر يرتفق برخص المثمن .
* ويشترط لصحة السلم شروط خاصة زائدة على شروط البيع :
الشرط الأول : انضباط صفات السلعة المسلم فيها ; لأن ما لا يمكن ضبط صفاته يختلف كثيرا , فيفضي إلى المنازعة بين الطرفين ; فلا يصح السلم فيما تختلف صفاته ; كالبقول , والجلود , والأواني المختلفة , والجواهر .
الشرط الثاني : ذكر جنس المسلم فيه ونوعه , فالجنس كالبر , والنوع كالسلموني مثلا , وهو نوع من البر .
الشرط الثالث : ذكر قدر المسلم فيه بكيل أو وزن أو ذرع , لقوله صلى الله عليه وسلم : من أسلف في شيء ; فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم متفق عليه , ولأنه إذا جهل مقدار المسلم فيه ; تعذر الاستيفاء .
الشرط الرابع : ذكر أجل معلوم , لقوله صلى الله عليه وسلم : إلى أجل معلوم وقوله تعالى : إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ فدلت الآية الكريمة والحديث الشريف على اشتراط التأجيل في السلم , وتحديد الأجل بحد يعلمه الطرفان .
الشرط الخامس : أن يوجد المسلم فيه غالبا في وقت حلول أجله ; ليمكن تسليمه في وقته , فإن كان المسلم فيه لا يوجد في وقت الحلول ; لم يصح السلم ; كما لو أسلم في رطب وعنب إلى الشتاء .
الشرط السادس : أن يقبض الثمن تاما معلوم المقدار في مجلس العقد , لقوله صلى الله عليه وسلم : من أسلف في شيء , فليسلف في كيل معلوم . .. الحديث ; أي : فليعط . قال الإمام الشافعي رحمه الله : " لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما أسلفه قبل أن يفارق من أسلفه , ولأنه إذا لم يقبض الثمن في المجلس , صار بيع دين بدين , وهذا لا يجوز " .
الشرط السابع : أن يكون المسلم فيه غير معين , بل يكون دينا في الذمة , فلا يصح السلم في دار وشجرة , لأن المعين قد يتلف قبل تسليمه , فيفوت المقصود , ويكون الوفاء وتسليم السلعة المسلم فيها في مكان العقد إن كان يصلح لذلك , فإن كان لا يصلح , كما لو عقدا في بر أو بحر , فلا بد من ذكر مكان الوفاء , وحيث تراضيا على مكان التسليم , جاز ذلك , وإن اختلفا ; رجعنا إلى محل العقد حيث كان يصلح لذلك كما سبق .
* ومن أحكام المسلم أنه لا يجوز بيع السلعة المسلم فيها قبل قبضها لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام حتى يقبضه , ولا تصح الحوالة عليه , لأن الحوالة لا تصح إلا على دين مستقر , والسلم عرضة للفسخ .
* ومن أحكام السلم أنه إذا تعذر وجود المسلم فيه وقت حلوله , كما لو أسلم في ثمرة , فلم تحمل الشجر تلك السنة ; فلرب السلم الصبر إلى أن يوجد المسلم فيه فيطالب به , أو الفسخ ويطالب برأس ماله ; لأن العقد إذا زال وجب رد الثمن , فإن كان الثمن تالفا ; رد بدله إليه , والله أعلم . وإباحة هذه المعاملة من يسر هذه الشريعة الإسلامية وسماحتها ; لأن في هذه المعاملة تيسيرا على الناس وتحقيقا لمصالحهم , مع خلوها من الربا وسائر المحذورات , قلله الحمد على تيسيره .
باب في أحكام القرض
بسم الله الرحمن الرحيم
* القرض لغة : القطع ; لأن المقرض يقطع شيئا من ماله يعطيه للمقترض , وتعريفه شرعا : أنه دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله . وهو من باب الإرفاق , وقد سماه النبي صلى الله عليه وسلم منيحة ; لأنه ينتفع به المقترض , ثم يعيده إلى المقرض .
* والإقراض مستحب , وفيه أجر عظيم , قال صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين , إلا كان كصدقة مرة رواه ابن ماجه , وقد قيل : إن القرض أفضل من الصدقة ; لأنه لا يقترض إلا محتاج , وفي الحديث الصحيح : من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا , نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة فالقرض فعل معروف , وفيه تفريج للضائقة عن المسلم , وقضاء لحاجته . وليس الاقتراض من المسألة المكروهة ; فقد اقترض النبي صلى الله عليه وسلم .
* ويشترط لصحة القرض أن يكون المقرض ممن يصح تبرعه ; فلا يجوز لولي اليتيم مثلا أن يقرض من مال اليتيم , وكذلك يشترط معرفة قدر المال المدفوع في القرض , ومعرفة صفته ; ليتمكن من رد بدله إلى صاحبه , فالقرض يصبح دينا في ذمة المقترض , يجب عليه رده إلى صاحبه عندما يتمكن من ذلك , من غير تأخير .
* ويحرم على المقرض أن يشترط على المقترض زيادة في القرض ; فقد أجمع العلماء على أنه إذا شرط عليه زيادة , فأخذها , فهو ربا ; فما تفعله البنوك اليوم من الإقراض بالفائدة ربا صريح , سواء كان قرضا استهلاكيا أو إنمائيا كما يسمونه , فلا يجوز للمقرض - سواء كان بنكا أو فردا أو شركة - أن يأخذ زيادة في القرض مشترطة , بأي اسم سمى هذه الزيادة , وسواء سميت هذه الزيادة ربحا أو فائدة أو هدية أو سكن دار أو ركوب سيارة , ما دام أن هذه الزيادة أو هذه الهدية أو هذه المنفعة جاءت عن طريق المشارطة , وفي الحديث : كل قرض جر نفعا ; فهو ربا وفي الحديث عن أنس مرفوعا : إذا أقرض أحدكم قرضا ; فأهدى إليه , أو حمله على الدابة , فلا يركبها , ولا يقبله ; إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك رواه ابن ماجه , وله شواهد كثيرة , وقد ثبت عن عبد الله بن سلام رضي الله عنه , أنه قال : " إذا كان لك على رجل حق , فأهدى إليك حمل تبن ; فلا تأخذه ; فإنه ربا " , وهذا له حكم الرفع ; فلا يجوز لمقرض قبول هدية ولا غيرها من المنافع من المقترض إذا كان هذا بسبب القرض ; للنهي عن ذلك , ولأن القرض إنما هو عقد إرفاق بالمحتاج , وقربة إلى الله , فإذا شرط فيه الزيادة أو تحراها وقصدها وتطلع إليها ; فقد أخرج القرض عن موضوعه الذي هو التقرب إلى الله بدفع حاجة المقترض إلى الربح من المقترض ; فلا يصير قرضا . فيجب على المسلم أن ينتبه لذلك ويحذر منه ويخلص النية في القرض وفي غيره من الأعمال الصالحة , فإن القرض ليس القصد منه النماء الحسي , وإنما القصد منه النماء المعنوي , وهو التقرب إلى الله ; بدفع حاجة المحتاج , واسترجاع رأس المال , فإذا كان هذا هو القصد في القرض ; فإن الله ينزل في المال البركة والنماء الطيب .
* هذا ; وينبغي أن يُعلم أن الزيادة الممنوع أخذها في القرض هي الزيادة المشترطة ; كأن يقول : أقرضك كذا وكذا بشرط أن ترد علي المال بزيادة كذا وكذا , أو أن تسكنني دارك أو دكانك , أو تهدي إلي كذا وكذا , أو لا يكون هناك شرط ملفوظ به , ولكن هناك قصد للزيادة وتطلع إليها , فهذا هو الممنوع المنهي عنه .
أما لو بذل المقترض الزيادة من ذات نفسه وبدافع منه , بدون اشتراط من المقرض , أو تطلع وقصد , فلا مانع من أخذ الزيادة حينئذ ; لأن هذا يعتبر من حسن القضاء , ولأن النبي صلى الله عليه وسلم استسلف بكرا فرد خيرا منه , وقال : خيركم أحسنكم قضاء وهذا من مكارم الأخلاق المحمودة عرفا وشرعا , ولا يدخل في القرض الذي يجر نفعا , لأنه لم يكن مشروطا في القرض من المقرِض ولا متواطأ عليه , وإنما ذلك تبرع من المستقرض . وكذلك إذا بذل المقترض للمقرض نفعا معتادا بينهما قبل القرض ; بأن كان من عادة المقترض بذل هذا النفع , ولم يكن الدافع إليه هو القرض , فلا مانع من قبوله , لانتفاء المحذور .
* ثم إنه يجب على المقترض الاهتمام بأداء ما عليه من دين القرض ورده إلى صاحبه ; من غير مماطلة ولا تأخير ; حينما يقدر على الوفاء , لقول الله تعالى : هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ
* وبعض الناس يتساهل في الحقوق عامة , وفي شأن الديون خاصة , وهذه خصلة ذميمة , جعلت كثيرا من الناس يحجمون عن بذل القروض والتوسعة على المحتاجين , مما قد يلجئ المحتاج إلى الذهاب إلى بنوك الربا والتعامل معها بما حرم الله ; لأنه لا يجد من يقرضه قرضا حسنا , والمقرض لا يجد من يسدد له قرضه تسديدا حسنا , حتى ضاع المعروف بين الناس .
باب في أحكام الرهن
* الرهن لغة يراد به الثبوت والدوام , يقال : ماء راهن , أي : راكد . والرهن شرعا : توثقة دين بعين يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها , أي : جعل عين مالية وثيقة بدين .
* والرهن جائز بالكتاب والسنة والإجماع .
- قال تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ
- وقد توفي النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة .
- وأجمع العلماء على جواز الرهن في السفر , والجمهور أجازوه أيضا في الحضر .
* والحكمة في مشروعيته حفظ الأموال والسلامة من الضياع . وقد أمر الله بتوثيق الدين بالكتاب , قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ إلى قوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ وهذا من رحمة الله بعباده , حيث يرشدهم إلى ما فيه خيرهم
* ويشترط لصحة الرهن معرفة قدره وجنسه وصفته , وأن يكون الراهن جائز التصرف , مالكا للمرهون , أو مأذونا له فيه .
* ويجوز للإنسان أن يرهن مال نفسه على دين غيره .
* ويشترط في العين المرهونة أن تكون مما يصح بيعه ; ليتمكن من الاستيفاء من الرهن .
* ويصح اشتراط الرهن في صلب العقد , ويصح بعد العقد ; لقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فجعله الله سبحانه بدلا من الكتابة , والكتابة إنما تكون بعد وجوب الحق .
* والرهن يلزم من جانب الراهن فقط ; لأن الحظ فيه لغيره , فلزم من جهته , ولا يلزم من جانب المرتهن , فله فسخه , لأن الحظ فيه له وحده .
* ويجوز أن يرهن نصيبه من عين مشتركة بينه وبين غيره ; لأنه يجوز بيع نصيبه عند حلول الدين , ويوفي منه الدين . ويجوز رهن المبيع على ثمنه ; لأن ثمنه دين في الذمة , والمبيع ملك للمشتري ; فجاز رهنه به , فإذا اشترى دارا أو سيارة مثلا بثمن مؤجلأ وحال لم يقبض ; فله رهنها حتى يسدد له الثمن .
* ولا ينفذ تصرف أحد الطرفين المرتهن أو الراهن في العين المرهونة إلا بإذن الطرف الآخر ; لأنه إذا تصرف فيه بغير إذنه ; فوت عليه حقه ; لأن تصرف الراهن يبطل حق المرتهن في التوثيق , وتصرف المرتهن تصرف في ملك غيره .
* وأما الانتفاع بالرهن فحسبما يتفقان عليه : فإن اتفقا على تأجيره أو غيره , جاز , وإن لم يتفقا ; بقي معطلا حتى يفك الرهن . ويمكَّن الراهن من عمل ما فيه إصلاح للرهن , كسقي الشجر , وتلقيحه , ومداواته , لأن ذلك مصلحة للرهن .
* ونماء الرهن المتصل كالسمن وتعلم الصنعة , ونماؤه المنفصل كالولد والثمرة والصوف وكسبه : ملحق به , يكون رهنا معه , ويباع معه لوفاء الدين ; وكذا سائر غلاته ; لأنها تابعة له , وكذا لو جُني عليه ; فأرش الجناية يلحق بالرهن ; لأنه بدل جزء منه .
* ومؤنة الرهن من طعامه وعلف الدواب وعمارته وغير ذلك على الراهن ; لحديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه , له غنمه , وعليه غرمه رواه الشافعي والدارقطني , وقال : " إسناده حسن صحيح " , ولأن الرهن ملك للراهن ; فكان عليه نفقته . وعلى الراهن أيضا أجرة المخزن الذي يودع فيه المال المرهون وأجرة حراسته ; لأن ذلك يدخل ضمن الإنفاق عليه , وكذا أجرة رعي الماشية المرهونة .
* وإن تلف بعض الرهن وبقي بعضه , فالباقي رهن بجميع الدين , لأن الدين كله متعلق بجميع أجزاء الرهن , فإذا تلف البعض ; بقي البعض الآخر رهنا بجميع الدين .
* وإن وفى بعض الدين , لم ينفك شيء من الرهن حتى يسدده كله , فلا ينفك منه شيء حتى يؤدي جميع الدين .
* وإذا حل الدين الذي به رهن وجب على المدين تسديده كالدين الذي لا رهن به ; لأن هذا مقتضى العقد بينهما , قال الله تعالى : فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ فإن امتنع من الوفاء ; صار مماطلا , وحينئذ يجبره الحاكم على وفاء الدين , فإن امتنع ; حبسه وعزره حتى يوفي ما عليه من الدين من عنده , أو يبيع الرهن ويسدد من قيمته , فإن امتنع , فإن الحاكم يبيع الرهن , ويوفي الدين من ثمنه , لأنه حق وجب على المدين , فقام الحاكم مقامه عند امتناعه , ولأن الرهن وثيقة للدين ليباع عند حلوله , وإن فضل من ثمنه شيء عن الدين , فهو لمالكه , يرد عليه , لأنه ماله , وإن بقي من الدين شيء لم يغطه ثمن الرهن ; فهو في ذمة الراهن , يجب عليه تسديده .
* ومن أحكام الرهن أنه إذا كان حيوانا يحتاج إلى نفقة وكان في قبضة المرتهن ; فإن الشارع الحكيم رخص له أن يركبه وينفق عليه إن كان يصلح للركوب , ويحلبه وينفق عليه إن كان يصلح للحلب , قال النبي صلى الله عليه وسلم : الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا , ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهونا , وعلى الذي يركب ويشرب النفقة رواه البخاري , أي : ويجب على الذي يركب الظهر ويشرب اللبن النفقة في مقابلة انتفاعه , وما زاد عما يقابل النفقة من المنفعتين يكون لمالكه .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " دل الحديث وقواعد الشريعة وأصولها على أن الحيوان المرهون محترم في نفسه لحق الله تعالى , وللمالك فيه حق الملك , وللمرتهن حق الوثيقة , فإذا كان بيده , فلم يحلبه , ذهب نفعه باطلا , فكان مقتضى العدل والقياس ومصلحة الراهن والمرتهن والحيوان أن يستوفي المرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة , فإذا استوفى المرتهن منفعته , وعوض عنها نفقة , كان في هذا جمع بين المصلحتين وبين الحقين " انتهى .
قال بعض الفقهاء رحمهم الله : الرهن قسمان : ما يحتاج إلى مؤنة , وما لا يحتاج إلى مؤنة .
وما يحتاج إلى مؤنة نوعان : حيوان مركوب ومحلوب ; تقدم حكمه . وما ليس بمركوب ولا محلوب ; كالعبد والأمة ; فهذا النوع لا يجوز للمرتهن أن ينتفع به إلا بإذن مالكه , فإذا أذن له مالكه أن ينفق عليه وينتفع به في مقابلة ذلك , جاز ; لأنه نوع معاوضة .
والقسم الثاني : ما لا يحتاج إلى مؤنة , كالدار والمتاع ونحوه , وهذا النوع لا يجوز للمرتهن أن ينتفع به ; إلا بإذن الراهن أيضا ; إلا إن كان الرهن بدين قرض ; فلا يجوز للمقرض أن ينتفع به كما سبق , لئلا يكون قرضا جر نفعا , فيكون من الربا .
باب في أحكام الضمان
* ومن التوثيقات الشرعية للديون الضمان , وهو مأخوذ من الضمن ; لأن ذمة الضامن صارت في ضمن ذمة المضمون عنه , وقيل : مشتق من التضمن , لأن ذمة الضامن تتضمن الحق المضمون , وقيل : مشتق من الضم ; لضم ذمة الضامن إلى ذمة المضمون عنه في التزام الحق فيثبت الحق في ذمتيهما جميعا .
* ومعنى الضمان شرعا : التزام ما وجب على غيره , مع بقائه على مضمون عنه , والتزام ما قد يجب أيضا ; كأن يقول : ما أعطيت فلانا ; فهو عليّ .
* والضمان جائز بالكتاب والسنة والإجماع : - قال تعالى : وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ أي : ضامن .
- وروى الإمام الترمذي مرفوعا : الزعيم غارم أي : ضامن .
- وقد أجمع العلماء على جواز الضمان في الجملة . والمصلحة تقتضي ذلك , بل قد تدعو الحاجة والضرورة إليه , وهو من التعاون على البر والتقوى , ومن قضاء حاجة المسلم , وتنفيس كربته .
* ويشترط لصحته أن يكون الضامن جائز التصرف , لأنه تحمل مال , فلا يصح من صغير ولا سفيه محجور عليه , ويشترط رضاه أيضا , فإن أكره على الضمان ; لم يصح ; لأن الضمان تبرع بالتزام الحق , فاعتبر له الرضى كالتبرع بالأموال .
* والضمان عقد إرفاق يقصد به نفع المضمون وإعانته ; فلا يجوز أخذ العوض عليه , ولأن أخذ العوض على الضمان يكون كالقرض الذي جر نفعا ; فالضامن يلزمه أداء الدين عن المضمون عند مطالبته بذلك , فإذا أداه للمضمون له ; فإنه سيسترده من المضمون عنه على صفة القرض , فيكون قرضا جر نفعا , فيجب الابتعاد عن مثل هذا ,
وأن يكون الضمان مقصودا به التعاون والإرفاق , لا الاستغلال وإرهاق المحتاج .
* ويصح الضمان بلفظ : أنا ضمين , أو : أنا قبيل , أو : أنا حميل , أو : أنا زعيم , وبلفظ : تحملت دينك , أو : ضمنته , أو : هو عندي , وبكل لفظ يؤدي معنى الضمان , لأن الشارع لم يحد ذلك بعبارة معينة , فيرجع فيه إلى العرف .
* ولصاحب الحق أن يطالب من شاء من الضامن أو المضمون , لأن حقه ثابت في ذمتهما ; فملك مطالبة من شاء منهما , ولقوله صلى الله عليه وسلم : الزعيم غارم رواه أبو داود والترمذي وحسنه , والزعيم هو الضامن , والغارم معناه الذي يؤدي شيئا لزمه , وهذا قول الجمهور .
وذهب بعض العلماء إلى أن صاحب الحق لا يجوز له مطالبة الضامن , إلا إذا تعذرت مطالبة المضمون عنه , لأن الضمان فرع , ولا يصار إليه إلا إذا تعذر الأصل , ولأن الضمان توثيق للحق كالرهن , والرهن لا يستوفى منه الحق إلا عند تعذر الاستيفاء من الراهن , ولأن مطالبة الضامن مع وجود المضمون عنه ويسرته فيها استقباح من الناس , لأن المعهود عندهم أنه لا يطالب الضامن إلا عند تعذر مطالبة المضمون عنه أو عجزه عن التسديد , هذا هو المتعارف عند الناس . هذا معنى ما ذكره الإمام ابن القيم , وقال : " هذا القول في القوة كما ترى " .
* ومن مسائل الضمان أن ذمة الضامن لا تبرأ إلا إذا برئت ذمة المضمون عنه من الدين بإبراء أو قضاء , لأن ذمة الضامن فرع عن ذمة المضمون وتبع لها , ولأن الضمان وثيقة , فإذا برئ الأصل , زالت الوثيقة ; كالرهن .
* ومن مسائل الضمان أنه يجوز تعدد الضامنين فيجوز أن يضمن الحق اثنان فأكثر , سواء ضمن كل واحد منهما جميعه أو جزءا منه , ولا يبرأ أحد منهم -59- إلا ببراءة الآخر , ويبرءون جميعا ببراءة المضمون عنه .
* ومن مسائل الضمان أنه لا يشترط في صحته معرفة الضامن للمضمون عنه , كأن يقول : من استدان منك ; فأنا ضمين , ولا يشترط معرفة الضامن للمضمون له , لأنه لا يشترط رضى المضمون له والمضمون عنه ; فلا يشترط معرفتهما .
* ومن مسائل الضمان أنه يصح ضمان المعلوم وضمان المجهول إذا كان يئول إلى العلم ; لقوله تعالى : وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ لأن حمل البعير غير معلوم , لكنه يئول إلى العلم , فدلت الآية على جوازه .
* ومن مسائل الضمان أنه يصح ضمان عادة المبيع - والعهدة هي الدرك - , بأن يضمن الثمن إذا ظهر المبيع مستحقا لغير البائع .
* ومن مسائل الضمان أنه يجوز ضمان ما يجب على الشخص , كأن يضمن ما يلزمه من دين ونحوه .
باب في أحكام الكفالة
* الكفالة هي التزام إحضار من عليه حق مالي لربه . فالعقد في الكفالة واقع على بدن المكفول , فتصح الكفالة ببدن كل إنسان عليه حق مالي ; كالدين , ولا تصح الكفالة ببدن من عليه حد , لأن الكفالة استيثاق , والحدود مبناها على الدرء بالشبهات ; فلا يدخل فيها الاستيثاق , ولا تصح الكفالة ببدن من عليه قصاص , لأنه لا يمكن استيفاؤه من غير الجاني , ولا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر عليه إحضار المكفول .
* ويشترط لصحة الكفالة أن تكون برضى الكفيل , لأنه لا يلزمه الحق ابتداء إلا برضاه .
* ويبرأ الكفيل بموت المكفول المتعذر إحضاره ويبرأ كذلك بتسليم المكفول نفسه لرب الحق في محل التسليم وأجله , لأنه أتى بما يلزم الكفيل , وإذا تعذر إحضار المكفول مع حياته أو غاب ومضى زمن يمكن إحضاره فيه , فإن الكفيل يضمن ما عليه من الدين ; لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : الزعيم غارم
* ومن مسائل الكفالة أنه يجوز ضمان معرفة الشخص كما لو جاء إنسان ليستدين من إنسان , فقال : أنا لا أعرفك فلا أعطيك . فقال شخص آخر : أنا أضمن لك معرفته , أي : أعرِّفك من هو وأين هو ; فإنه يلزم بإحضاره إذا غاب , ولا يكفي أن يذكر اسمه ومكانه , فإن عجز عن إحضاره مع حياته , ضمن ما عليه , لأنه هو الذي دفع الدائن أن يعطيه ماله بتكفله لمعرفته , فكأنه قال : ضمنت لك حضوره متى أردت , فصار ذلك كما لو قال : تكفلت لك ببدنه .
باب في أحكام الحوالة
* الحوالة لغة مشتقة من التحول ; لأنها تحول الدين من ذمة إلى ذمة أخرى , ومن ثم عرفها الفقهاء بأنها نقل دين من ذمة إلى ذمة أخرى .
* وهي ثابتة بدليل السنة والإجماع : - قال صلى الله عليه وسلم : إذا أتبع أحدكم على مليء ; فليتبع وفي لفظ : من أحيل بحقه على مليء , فليحتل
- وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على ثبوتها .
* وفيها إرفاق بين الناس , وتسهيل لسبل معاملاتهم , وتسامح , وتعاون على قضاء حاجاتهم , وتسديد ديونهم , وتوفير راحتهم .
* وقد ظن بعض الناس أن الحوالة على غير وفق القياس ; لأنها بيع دين بدين , وبيع الدين بالدين ممنوع , لكنه جاز في الحوالة على غير وفق القياس , وقد رد هذا العلامة ابن القيم , وبين أنها جارية على وفق القياس ; لأنها من جنس إيفاء الحق , لامن جنس البيع . قال : " وإن كانت بيع دين بدين , فلم ينه الشارع عن ذلك , بل قواعد الشرع تقتضي جوازه , فإنها اقتضت نقل الدين وتحويله من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه " انتهى .
* ولا تصح الحوالة إلا بشروط :
الشرط الأول : أن تكون على دين مستقر في ذمة المحال عليه ; لأن مقتضاها إلزام المحال عليه بالدين , وإذا كان هذا الدين غير مستقر ; فهو عرضة للسقوط ; فلا تثبت الحوالة عليه ; فلا تصح الحوالة على ثمن مبيع في مدة الخيار , ولا تصح الحوالة من الابن على أبيه إلا برضاه .
الشرط الثاني : اتفاق الدينين المحال به والمحال عليه ; أي : تماثلهما في الجنس ; كدراهم على دراهم , وتماثلهما في الوصف ; كأن يحيل بدراهم مضروبة على دراهم مضروبة , ونقود سعودية مثلا على نقود سعودية مثلها , وتماثلهما في الوقت , أي : في الحلول والتأجيل , فلو كان أحد الدينين حالا والآخر مؤجلا , أو أحدهما يحل بعد شهر والآخر يحل بعد شهرين ; لم تصح الحوالة , وتماثل الدينين في المقدار ; فلا تصح الحوالة بمائة مثلا على تسعين ريالا ; لأنها عقد إرفاق ; كالقرض , فلو جاز التفاضل فيها ; لخرجت عن موضوعها - وهو الإرفاق - إلى طلب الزيادة بها , وهذا لا يجوز كما لا يجوز في القرض , لكن لو أحال ببعض ما عليه من الدين , أو أحال على بعض ما له من الدين ; جاز ذلك , ويبقى الزائد بحاله لصاحبه .
الشرط الثالث : رضى المحيل لأن الحق عليه , فلا يلزمه أن يسدده عن طريق الحوالة , ولا يشترط رضى المحال عليه ; كما لا يشترط أيضا رضى المحتال إذا أحيل على مليء غير مماطل , بل يجبر على قبول الحوالة , ومطالبة المحال عليه بحقه , لقوله صلى الله عليه وسلم : مطل الغني ظلم , وإذا أتبع أحدكم على مليء ; فليتبع متفق عليه , وفي لفظ : من أحيل بحقه على مليء , فليحتل أي : ليقبل الحوالة , والمليء هو القادر على الوفاء , الذي لا يعرف بمماطلة , فإن كان المحال عليه غير مليء , لم يلزم المحال قبول الحوالة عليه , لما في ذلك من الضرر عليه .
* وبهذه المناسبة ; فالنصيحة لمن عليهم حقوق للناس وعندهم المقدرة على تسديدها أن يبادروا بإبراء ذممهم بأدائها لأصحابها أو لمن أحيل عليهم بها , وأن لا يلطخوا سمعتهم بالمماطلة والمراوغة ; فكثيرا ما نسمع التظلمات من أصحاب الحقوق بسبب تأخير حقوقهم وتساهل المدينين بتسديدها من غير عذر شرعي ; كما أننا كثيرا ما نسمع مماطلة الأغنياء بتسديد الحوالات الموجهة إليهم , وإتعاب المحالين , حتى أصبحت الحوالة شبحا مخيفا , ينفر منها كثير من الناس , بسبب ظلم الناس .
* وإذا صحت الحوالة ; بأن اجتمعت شروطها المذكورة , فإن الحق ينتقل بها من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه , وتبرأ ذمة المحيل من هذا الحق ; لأن معناها تحويل الحق من ذمة إلى ذمة , فلا يسوغ للمحال أن يرجع إلى المحيل ; لأن حقه انتقل إلى غيره , فعليه أن يصرف وجهته ومطالبته إلى المحال عليه , فيستوفي منه أو يصطلح معه على أي شكل من الأشكال في نوعية الاستيفاء , فالحوالة الشرعية وفاء صحيح وطريق مشروع , وفيها تيسير على الناس إذا استغلت استغلالا صحيحا واستعملت استعمالا حسنا ولم يكن فيها مخادعة ولا مراوغة .
باب في أحكام الوكالة
* الوكالة - بفتح الواو وكسرها - : التفويض , تقول : وكلت أمري إلى الله ; أي : فوضته إليه , واصطلاحا : استنابة جائز التصرف مثله فيما تدخله النيابة .
* وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع .
- قال تعالى : فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ وقال تعالى : قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ وقال تعالى : وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا
- ووكل صلى الله عليه وسلم عروة بن الجعد في شراء الشاة , وأبا رافع في تزوجه صلى الله عليه وسلم ميمونة , وكان يبعث عماله لقبض الزكاة .
- وذكر الموفق وغيره إجماع الأمة على جواز الوكالة في الجملة , والحاجة داعية إليها , إذ لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه .
* ما تنعقد به الوكالة تنعقد الوكالة بكل قول يدل على الإذن ; ك : افعل كذا , أو : أذنت لك في فعل كذا . .. ويصح القبول على الفور وعلى التراخي بكل قول أو فعل يدل على القبول ; لأن قبول وكلائه عليه الصلاة والسلام كان متراخيا عن توكيله إياهم .
وتصح الوكالة مؤقتة ومعلقة بشرط ; كأن يقول : أنت وكيلي شهرا , وكقوله : إذا تمت إجارة داري ; فبعها . ويعتبر تعيين الوكيل ; فلا تنعقد بقوله : وكلت أحد هذين , أو بتوكيل من لا يعرفه .
* ما يصح التوكيل فيه يصح التوكيل في كل ما تدخله النيابة من حقوق الآدميين من العقود والفسوخ ; فالعقود مثل البيع والشراء والإجارة والقرض والمضاربة , والفسوخ كالطلاق والخلع والعتق والإقالة , وتصح الوكالة في كل ما تدخله النيابة من حقوق الله من العبادات ; كتفريق الصدقة , وإخراج الزكاة , والنذر , والكفارة , والحج , والعمرة ; لورود الأدلة بذلك . وأما ما لا تدخله النيابة من حقوق الله تعالى , فلا يصح التوكيل فيه , وهو العبادات البدنية ; كالصلاة والصوم والطهارة من الحدث ; لأن ذلك يتعلق ببدن من هو عليه .
* وتصح الوكالة في إثبات الحدود واستيفائها , لقوله صلى الله عليه وسلم : واغد يا أنيس إلى امرأة هذا , فإن اعترفت , فارجمها متفق عليه .
* وليس للوكيل أن يوكل فيما وُكِّل فيه , إلا في مسائل , وهي :
الأولى : إذا أجاز له الموكل ذلك ; بأن يقول : وكِّل إذا شئت , أو يقول : اصنع ما شئت .
الثانية : إذا كان العمل الموكَّل فيه لا يتولاه مثله ; لكونه من أشراف الناس المترفعين عن مثل ذلك العمل .
الثالثة : إذا عجز عن العمل الذي وكل فيه .
الرابعة : إذا كان لا يحسن العمل الذي وكل فيه . وفي هذه الأحوال لا يجوز له أن يوكل إلا أمينا ; لأنه لم يؤذن له في توكيل من ليس بأمين .
* والوكالة عقد جائز من الطرفين , لأنها من جهة الموكل إذن , ومن جهة الوكيل بذل نفع , وكلاهما غير لازم , فلكل واحد منهما فسخها في أي وقت شاء .
* مبطلات الوكالة تبطل الوكالة بفسخ أحدهما أو موته أو جنونه المطبق ; لأن الوكالة تعتمد الحياة والعقل , فإذا انتفيا ; انتفت صحتها , وتبطل بعزل الموكل للوكيل , وتبطل بالحجر على السفيه وكيلا كان أو موكلا ; لزوال أهلية التصرف .
* ما يجوز فيه التوكيل والتوكل : ومن له التصرف في شيء ; فله التوكيل والتوكل فيه , ومن لا يصح تصرفه بنفسه ; فنائبه أولى . ومن وكل في بيع أو شراء ; لم يبع ولم يشتر من نفسه , لأن العرف في البيع بيع الرجل من غيره , ولأنه تلحقه تهمة , وكذا لا يصح بيعه وشراؤه من ولده ووالده وزوجته وسائر من لا تقبل شهادته له , لأنه متهم في حقهم كتهمته في حق نفسه .
* ما يتعلق بالموكل وما يتعلق بالوكيل من التصرفات يتعلق بالموكل حقوق العقد من تسليم الثمن وقبض المبيع والرد بالعيب وضمان الدرك , والوكيل في البيع يسلم المبيع ولا يستلم الثمن بغير إذن الموكل أو قرينة تدل على الإذن ; كما لو باعه في محل يضيع فيه الثمن لو لم يقبضه , والوكيل في الشراء يسلم الثمن ; لأنه من تتمته وحقوقه , والوكيل في الخصومة لا يقبض , والوكيل في القبض يخاصم , لأنه لا يتوصل إليه إلا بها .
* ما يلزم الوكيل ضمانه وما لا يلزمه :
الوكيل أمين لا يضمن ما تلف بيده من غير تفريط ولا تعد , فإن فرط أو تعدى أو طلب منه المال فامتنع من دفعه لغير عذر , ضمن . ويقبل قول الوكيل فيما وكل فيه من بيع وإجارة أنه قبض الثمن والأجرة وتلفا بيده , ويقبل قوله في قدر الثمن والأجرة , والله أعلم .
باب في أحكام الحجر
* إن الإسلام جاء لحفظ الأموال وحفظ حقوق الناس , ولذلك شرع الحجر على من يستحقه , حفاظا على أموال الناس وحقوقهم .
* والحجر لغة المنع , ومنه سمي الحرام حجرا ; لأنه ممنوع منه , قال تعالى : وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا أي : حراما محرما , وسمي أيضا العقل حجرا , قال تعالى : هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ أي : عقل , لأن العقل يمنع صاحبه من تعاطي ما يقبح وتضر عاقبته .
* ومعنى الحجر في الشرع : منع إنسان من تصرفه في ماله .
* ودليله من القرآن الكريم : قوله تعالى : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ إلى قوله تعالى : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فدلت الآيتان على الحجر على السفيه واليتيم في ماله ; لئلا يفسده ويضيعه , وأنه لا يدفع إليه إلا بعد تحقق رشده فيه . وقد حجر النبي صلى الله عليه وسلم على بعض الصحابة لأجل قضاء ما عليه من الديون .
* والحجر نوعان :
النوع الأول : حجر على الإنسان لأجل حظ غيره , كالحجر على المفلس لحظ الغرماء , والحجر على المريض بالوصية بما زاد على الثلث لحظ الورثة .
النوع الثاني : حجر على الإنسان لأجل مصلحته هو ; لئلا يضيع ماله ويفسده , كالحجر على الصغير والسفيه والمجنون ; بدليل قوله تعالى : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ قيل : المراد الأولاد والنساء , فلا يعطيهم ماله تبذيرا , وقيل : المراد السفهاء والصغار والمجانين , لا يعطون أموالهم ; لئلا يفسدوها , وأضافها إلى المخاطبين ; لأنهم الناظرون عليها والحافظون لها .
* النوع الأول : الحجر على الإنسان لحظ غيره والمراد هنا الحجر على المفلس , والمفلس هو من عليه دين حال لا يتسع له ماله الموجود , فيمنع من التصرف في ماله ; لئلا يضر بأصحاب الديون . أما المدين المعسر الذي لا يقدر على وفاء شيء من دينه ; فإنه لا يطالب به , ويجب إنظاره ; لقوله تعالى : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ
وفي فضل إنظار المعسر يقول النبي صلى الله عليه وسلم : من سره أن يظله الله في ظله , فلييسر على معسر وأفضل من الإنظار إبراء المعسر من دينه , لقوله تعالى : وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ أما من له قدرة على وفاء دينه ; فإنه لا يجوز الحجر عليه , لعدم الحاجة إلى ذلك , لكن يؤمر بوفاء ديونه إذا طالب الغرماء بذلك ; لقوله صلى الله عليه وسلم : مطل الغني ظلم أي : مطل القادر على وفاء دينه ظلم ; لأنه منع أداء ما وجب عليه أداؤه من حقوق الناس , فإن امتنع من تسديد ديونه ; فإنه يسجن . قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله : " ومن كان قادرا على وفاء دينه , وامتنع , أجبر على وفائه بالضرب والحبس , نص على ذلك الأئمة من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم " , قال : " ولا أعلم فيه نزاعا " انتهى .
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته رواه أحمد وأبو داود وغيرهما , وعرضه : شكواه , وعقوبته : حبسه ; فالمماطل بقضاء ما عليه من الحق يستحق العقوبة بالحبس والتعزير , ويكرر عليه ذلك حتى يوفي ما عليه , فإن أصر على المماطلة , فإن الحاكم يتدخل فيبيع ماله ويسدد منه ديونه , لأن الحاكم يقوم مقام الممتنع , ولأجل إزالة الضرر عن الدائنين , وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا ضرر ولا ضرار
ومما مر يتضح أن المدين له حالتان :
الحالة الأولى : أن يكون الدين مؤجلا عليه ; فهذا لا يطالب بالدين حتى يحل , ولا يلزمه أداؤه قبل حلوله , وإذا كان ما لديه من الحال أقل مما عليه من الدين المؤجل ; فإنه لا يحجر عليه من أجل ذلك , ولا يمنع من التصرف في ماله .
الحالة الثانية : أن يكون الدين حالا

فللمدين حينئذ حالتان :
الأولى: أن يكون ماله أكثر من الدين الذي عليه ; فهذا لا يحجر عليه في ماله , ولكن يؤمر بوفاء الدين إذا طالب بذلك دائنه , فإن امتنع ; حبس وعزر حتى يوفي دينه , فإن صبر على الحبس والتعزير , وامتنع من تسديد الدين , فإن الحاكم يتدخل ويوفي دينه من ماله ويبيع ما يحتاج إلى بيع من أجل ذلك .
والثانية : أن يكون ماله أقل مما عليه من الدين الحالِّ ; فهذا يُحجر عليه التصرف في ماله إذا طالب غرماؤه بذلك ; لئلا يضر بهم ; لحديث كعب بن مالك رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ وباع ماله رواه الدارقطني والحاكم وصححه , وقال ابن الصلاح : " إنه حديث ثابت " , وإذا حجر عليه في هذه الحالة , فإنه يعلن عنه , ويظهر للناس أنه محجور عليه ; لئلا يغتروا به ويتعاملوا معه , فتضيع أموالهم " .
ويتعلق بالحجر عليه أربعة أحكام :
الحكم الأول : أنه يتعلق حق الغرماء بماله الموجود قبل الحجر , وبماله الحادث بعد الحجر ; بإرث أو أرش جناية أو هبة أو وصية أو غير ذلك , فيلحقه الحجر كالموجود قبل الحجر , فلا ينفذ تصرف المحجور عليه في ماله بعد الحجر بأي نوع من أنواع التصرف , ولا يصح إقراره لأحد على شيء من ماله , لأن حقوق الغرماء متعلقة بأعيانه , فلم يقبل الإقرار عليه , وحتى قبل الحجر عليه يحرم عليه التصرف في ماله تصرفا يضر بغرمائه .
قال الإمام ابن القيم رحمه الله : " إذا استغرقت الديون ماله , لم يصح تبرعه بما يضر بأرباب الديون , سواء حجر عليه الحاكم أو لم يحجر عليه , هذا مذهب مالك واختيار شيخنا ( يريد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ) " , قال : " وهو الصحيح , وهو الذي لا يليق بأصول المذهب غيره , بل هو مقتضى أصول الشرع وقواعده , لأن حق الغرماء قد تعلق بماله , ولهذا يحجر عليه الحاكم , ولولا تعلق حق الغرماء بماله , لم يسع الحاكم الحجر عليه , فصار كالمريض مرض الموت , وفي تمكين هذا المدين من التبرع إبطال حقوق الغرماء , والشريعة لا تأتي بمثل هذا ; فإنما جاءت بحفظ حقوق أرباب الحقوق بكل طريق , وسد الطريق المفضية إلى إضاعتها " انتهى كلامه رحمه الله .
الحكم الثاني : أن من وجد عين ماله الذي باعه عليه أو أقرضه إياه أو أجره إياه قبل الحجر عليه ; فله أن يرجع به ويسحبه من عند المفلس
, لقوله صلى الله عليه وسلم : من أدرك متاعه عند إنسان أفلس , فهو أحق به متفق عليه ; وقد ذكر الفقهاء رحمهم الله أنه يشترط لرجوع من وجد ماله عند المفلس المحجور عليه ستة شروط :
الشرط الأول: كون المفلس حيا إلى أن يأخذ ماله منه ; لما رواه أبو داود ; أنه صلى الله عليه وسلم قال : فإن مات ; فصاحب المتاع أسوة الغرماء
الشرط الثاني: بقاء ثمنها كله في ذمة المفلس , فإن قبض صاحب المتاع شيئا من ثمنه , لم يستحق الرجوع به .
الشرط الثالث: بقاء العين كلها في ملك المفلس , فإن وجد بعضها فقط ; لم يرجع به ; لأنه لم يجد عين ماله , وإنما وجد بعضها .
الشرط الرابع: كون السلعة بحالها , لم يتغير شيء من صفاتها .
الشرط الخامس: كون السلعة لم يتعلق بها حق الغير ; بأن لا يكون المفلس قد رهنها ونحو ذلك .
الشرط السادس: كون السلعة لم تزد زيادة متصلة كالسمن , فإذا توافرت هذه الشروط , جاز لصاحب السلعة أن يسحبها إذا ظهر إفلاس من هي عنده , للحديث السابق .
الحكم الثالث : انقطاع المطالبة عنه بعد الحجر عليه إلى أن ينفك عنه الحجر , فمن باعه أو أقرضه شيئا خلال هذه الفترة , طالبه به بعد فك الحجر عنه .
الحكم الرابع: أن الحاكم يبيع ما له , ويقسم ثمنه بقدر ديون غرمائه الحالة ; لأن هذا هو المقصود من الحجر عليه , وفي تأخير ذلك مطل وظلم لهم , ويترك الحاكم للمفلس ما يحتاج إليه من مسكن ومؤنة ونحو ذلك , أما الدين المؤجل ; فلا يحل بالإفلاس , ولا يزاحم الديون الحالة , لأن الأجل حق للمفلس ; فلا يسقط ; كسائر حقوقه , ويبقى في ذمة المفلس , ثم بعد توزيع ماله على أصحاب الديون الحالة , فإن سددها ولم يبق منها شيء ; انفك عنه الحجر بلا حكم حاكم ; لزوال موجبه , وإن بقي عليه شيء من ديونه الحالة ; فإنه لا ينفك عنه الحجر ; إلا بحكم الحاكم ; لأنه هو الذي حكم بالحجر عليه , فهو الذي يحكم بفك الحجر عنه .
* النوع الثاني من أنواع الحجر : وهو الحجر على الإنسان لحظ نفسه بحفظ ماله وتوفيره له , لأن هذا الدين دين الرحمة , الذي لم يترك شيئا فيه مصلحة إلا حث على تعاطيه , ولا شيئا فيه مضرة , إلا حذر منه , ومن ذلك أنه أفسح المجال للإنسان الذي فيه أهلية للتصرف ومزاولة التجارة في حدود المباح والكسب الطيب , لما في ذلك من المصلحة التي تعود على الفرد والجماعة ,
أما إذا كان الإنسان غير مؤهل لطلب الكسب ومزاولة التجارة ; لصغر سنه أو سفهه أو فقدان عقله ; فإن الإسلام يمنعه من التصرف , ويقيم عليه وصيا يحفظ له ماله وينميه , حتى يزول عنه المانع , ثم يسلم ماله موفورا إليه . قال تعالى : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا إلى قوله تعالى : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ذلكم هو ما يسمى بالحجر على الإنسان لحظ نفسه , لأن المصلحة في ذلك تعود عليه . وهذا النوع من الحجر يعم الذمة والمال ; فلا يتصرف من انطبق عليه في ماله ببيع ولا تبرع ولا غيرهما , ولا يتحمل في ذمته دينا أو ضمانا أو كفالة ونحوها , لأن ذلك يفضي إلى ضياع أموال الناس . ولا يصح تصرف غير السفهاء معهم , بأن يعطيهم ماله بيعا أو قرضا أو وديعة أو عارية , ومن فعل ذلك , فإنه يسترد ما أعطاهم إن وجده باقيا بعينه , فإن تلف في أيديهم أو أتلفوه , فإنه يذهب هدرا , لا يلزمهم ضمانه ; لأنه فرط بتسليطهم عليه وتقديمه إليهم برضاه واختياره . أما لو تعدى المحجور عليه لصغر ونحوه على نفس أو مال بجناية ; فإنه يضمن , ويتحمل ما ترتب على جنايته من غرامة ; لأن المجني عليه لم يفرط ولم يأذن لهم بذلك , والقاعدة الفقهية تقول : إن ضمان الإتلاف يستوي فيه الأهل وغيره .
قال العلامة ابن القيم رحمه الله : " يضمن الصبي والمجنون والنائم ما أتلفوه من الأموال , وهذا من الشرائع العامة التي لا تتم مصالح الأمة إلا بها , فلو لم يضمنوا جنايات أيديهم , لأتلف بعضهم أموال بعض , وادعى الخطأ وعدم القصد " .
* ويزول الحجر عن الصغير بأمرين :
الأمر الأول : بلوغه سن الرشد : ويعرف ذلك بعلامات . الأولى : إنزاله المني يقظة أو مناما , قال تعالى : وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا والحلم هو أن يرى الطفل في منامه ما ينزل به المني الدافق .
الثانية : إنبات الشعر الخشن حول قبله .
الثالثة : بلوغه خمس عشرة سنة , قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما : عرضت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني , وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني متفق عليه , ومعنى أجازني , أي : أمضاني للخروج للقتال , فدل على أن بلوغ خمس عشرة سنة من الولادة يكون بلوغا , وفي رواية في تعليل منعه في العرضة الأولى : " قال : ولم يرني بلغت " .
الرابعة : وتزيد الجارية على الذكر علامة رابعة تدل على بلوغها , وهي الحيض ; لقوله صلى الله عليه وسلم : لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار رواه الترمذي وحسنه . الأمر الثاني مع البلوغ : الرشد : وهو الصلاح في المال ; لقوله تعالى : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ويعرف رشده بأن يمتحن , فيمنح شيئا من التصرف , فإذا تصرف مرارا , فلم يغبن غبنا فاحشا , ولم يبذل ماله في حرام أو فيما لا فائدة فيه ; فهذا دليل على رشده .
* ويزول الحجر عن المجنون بأمرين
الأول : زوال الجنون ورجوع العقل إليه
والثاني : أن يكون رشيدا كما سبق في حق الصغير إذا بلغ .
ويزول عن السفيه بزوال السفه واتصافه بالرشد في تصرفاته المالية .
* ويتولى مال كل من هؤلاء الثلاثة - الصبي والمجنون والسفيه - حال الحجر أبوه إذا كان عدلا رشيدا ; لكمال شفقته , ثم من بعد الأب وصيه , لأنه نائبه , فأشبه وكيله في حال الحياة .
* ويجب على من يتولى أموالهم ممن ذكر أن يتصرف لهم بالأحظ لهم ; لقوله تعالى : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي : لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بما فيه مصلحة وتنمية له , والآية الكريمة وإن كانت نصت على مال اليتيم ; فإنها تتناول مال السفيه والمجنون بالقياس على مال اليتيم.
* وعلى ولي مال اليتيم ونحوه المحافظة عليه , وعدم إهماله والمخاطرة به أو أكله ظلما , قال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا وقد وعظ الله أولياء اليتامى بأن يتذكروا حالة أولادهم لو كانوا تحت ولاية غيرهم ; فكما يحبون أن يحسن إلى أولادهم ; فليحسنوا هم إلى أولاد غيرهم من اليتامى إذا كانوا تحت ولايتهم , قال تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ولما كان هؤلاء لا يستطيعون حفظ أموالهم وتصريفها بما ينميها لهم , أقام الله عليهم أولياء يتولون عنهم ذلك , وينظرون في مصالحهم , وأعطى هؤلاء الأولياء توجيهات يسيرون عليها حال ولايتهم على هؤلاء , فنهى الأولياء عن إعطاء القصار أموالهم وتمكينهم منها , لئلا يفسدوها أو يضيعوها .
قال تعالى : وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله : " ينهى الله سبحانه وتعالى عن تمكين السفهاء من التصرف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما ; أي : تقوم بها معايشهم من التجارات وغيرها , ومن هنا يؤخذ الحجر على السفهاء " انتهى .
وكما نهى الله عن تمكين هؤلاء القصار من أموالهم , وجعلها تحت ولاية أهل النظر والإصلاح ; فإنه سبحانه وتعالى يحذر هؤلاء الأولياء من التصرف فيها ; إلا بما يصلحها وينميها , فيقول سبحانه وتعالى : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ أي : لا تتصرفوا في مال اليتيم إلا بما فيه غبطة ومصلحة لليتيم .
عن ابن عباس رضي الله عنهما ; قال : " لما أنزل الله تعالى قوله : وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا انطلق من كان عنده يتيم , فعزل طعامه عن طعامه , وشرابه من شرابه , فجعل يفضل الشيء , فيحبس له حتى يأكله أو يفسد , فاشتد ذلك عليهم , فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم , فأنزل الله : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ قال : " فخلطوا طعامهم بطعامهم , وشرابهم بشرابهم " .
* ومن الإحسان في أموال اليتامى إشغالها في الاتجار طلبا للربح والنمو , فلوليه الاتجار به , وله دفعه لمن يتجر به مضاربة , لأن عائشة رضي الله عنها أبضعت مال محمد بن أبي بكر رضي الله عنهم , وقال عمر رضي الله عنه : " اتجروا بأموال اليتامى ; كيلا تأكلها الصدقة "
* كما أن ولي اليتيم ينفق عليه من ماله بالمعروف .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " ويستحب إكرام اليتيم وإدخال السرور عليه ودفع الإهانة عنه ; فجبر قلبه من أعظم مصالحه " انتهى .
* ولولي اليتيم شراء الأضحية له من ماله إذا كان اليتيم موسرا , لأنه يوم سرور وفرح , ولوليه أيضا تعليمه بالأجرة من ماله ; لأن ذلك من مصالحه .
* وإذا كان ولي اليتيم فقيرا ; فله أن يأكل من مال اليتيم قدر أجرته لقاء ما يقدمه من خدمة لماله , قال تعالى : وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ أي : ومن كان محتاجا إلى النفقة وهو يحفظ مال اليتيم ويتعاهده , ( فليأكل ) منه ( بالمعروف ) .
قال الإمام ابن كثير : " نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا أن يأكل منه " , وعن عائشة قالت : " أنزلت هذه الآية في والي اليتيم : وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ بقدر قيامه عليه " .
قال الفقهاء : له أن يأخذ أقل الأمرين أجرة مثله أو قدر حاجته , روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقال : إن عندي يتيما عنده مال وليس لي مال ; أآكل من ماله ؟ ; قال : كل بالمعروف غير مسرف أما ما زاد عن هذا الحد الذي رخص الله فيه ; فلا يجوز أكله من مال اليتيم ; فقد توعد الله عليه بأشد الوعيد , قال تعالى : وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وقال تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا أي : إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه , وقال تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا قال الإمام ابن كثير : " أي : إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب , فإنما يأكلون نارا تتأجج في بطونهم يوم القيامة " .
وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اجتنبوا السبع الموبقات . قيل : يا رسول الله ! وما هن ؟ قال : الشرك بالله , والسحر , وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق , وأكل الربا , وأكل مال اليتيم , والتولي يوم الزحف , وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات
* ثم إنه سبحانه أمر بدفع أموال اليتامى إليهم عندما يزول عنهم اليتم ويتأهلوا للتصرف فيها على السداد موفرة كاملة , قال تعالى : وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وقال : إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وقال تعالى : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا أي : وكفى بالله محاسبا وشاهدا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام وحال تسليمهم لأموالهم هل هي كاملة موفرة أو منقوصة مبخوسة .
باب في أحكام الصلح
بسم الله الرحمن الرحيم
* الصلح في اللغة : قطع المنازعة , ومعناه في الشرع : أنه معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين . وهو من أكبر العقود فائدة , ولذلك حسن فيه استعمال شيء من الكذب إذا دعت الحاجة إلى ذلك .
* والدليل على مشروعية الصلح : الكتاب , والسنة , والإجماع : - قال الله تعالى : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وقال : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا إلى قوله تعالى : فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وقال تعالى : لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا وقال تعالى : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ
- وقال النبي صلى الله عليه وسلم : الصلح جائز بين المسلمين ; إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا صححه الترمذي , وكان صلى الله عليه وسلم يقوم بالإصلاح بين الناس .
* والصلح الجائز هو العادل , الذي أمر الله به ورسوله , وهو ما يقصد به رضى الله تعالى ثم رضى الخصمين .
* ولا بد أن يكون من يقوم بالإصلاح بين الناس عالما بالوقائع , عارفا بالواجب , قاصدا للعدل , ودرجة المصلح بين الناس أفضل من درجة الصائم القائم , أما إذا خلا الصلح من العدل ; صار ظلما وهضما للحق , كأن يصلح بين قادر ظالم وضعيف مظلوم بما يرضى به القادر ويمكنه من الظلم ويهضم به حق الضعيف ولا يمكنه من أخذ حقه ,
والصلح إنما يكون في حقوق المخلوقين التي لبعضهم على بعض مما يقبل الإسقاط والمعاوضة , أما حقوق الله تعالى , كالحدود والزكاة ; فلا مدخل للصلح فيها , لأن الصلح فيها هو أداؤها كاملة .
* والصلح بين الناس يتناول خمسة أنواع :
النوع الأول : الصلح بين المسلمين وأهل الحرب
النوع الثاني : صلح بين أهل العدل وأهل البغي من المسلمين .
النوع الثالث : صلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما .
النوع الرابع : إصلاح بين متخاصمين في غير المال
النوع الخامس : إصلاح بين متخاصمين في الأموال وهو المراد هنا , وهذا النوع من الصلح ينقسم إلى قسمين : الأول : صلح عن إقرار , والثاني : صلح عن إنكار . 1 - والصلح عن الإقرار نوعان : نوع يقع على جنس الحق , ونوع يقع على غير جنسه . - فالذي يقع على جنسه مثل ما إذا أقر له بدين معلوم أو بعين مالية في يده , فصالحه على أخذ بعض الدين وإسقاط بقيته , أو على هبة بعض العين وأخذ البعض الآخر . وهذا النوع من الصلح يصح إذا لم يكن مشروطا في الإقرار , كأن يقول من عليه الحق : أقر لك بشرط أن تعطيني أو تعوضني كذا , أو يقول صاحب الحق : أبرأتك أو وهبتك بشرط أن تعطيني كذا , فإن كان هذا الصلح مشروطا على نحو ما ذكرنا ; لم يصح ; لأن صاحب الحق له المطالبة بجميع الحق . ويشترط لصحة هذا النوع من الصلح أيضا أن لا يمنعه حقه بدونه ; لأن ذلك أكل لمال الغير بالباطل , وهو محرم , ولأن من عليه الحق يجب دفعه لصاحبه بدون قيد ولا شرط . ويشترط أيضا لصحة هذا النوع من الصلح أن يكون صاحب الحق ممن يصح تبرعه , فإن كان ممن لا يصح تبرعه , لم يصح , كما لو كان وليا لمال يتيم أو مجنون ; لأن هذا تبرع , وهو لا يملكه .
والحاصل أنه يجوز المصالحة عن الحق الثابت بشيء من جنسه , شريطة أن لا يمتنع من عليه الحق من أدائه بدون هذا الصلح , وشريطة أن يكون صاحب الحق ممن يصح تبرعه , فإذا توفر ذلك ; جازت هذه المصالحة ; لأنها تكون حينئذ من باب التبرع , والإنسان لا يمنع من إسقاط بعض حقه , كما لا يمنع من استيفائه كله , ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كلم غرماء جابر رضي الله عنه ليضعوا عنه .
- والنوع الثاني من نوعي الصلح عن الإقرار أن يصالح عن الحق بغير جنسه ; كما لو اعترف له بدين أو عين , ثم تصالحا على أن يأخذ عن ذلك عوضا من غير جنسه , فإن صالحه عن نقد بنقد آخر من جنسه , فهذا صرف تجري عليه أحكام الصرف , وإن صالح عن النقد بغير نقد ; اعتبر ذلك بيعا تجري عليه أحكام البيع , وإن صالح عنه بمنفعة كسكنى داره ; اعتبر ذلك إجارة تجري عليها أحكام الأجرة , وإن صالحه عن غير النقد بمال آخر ; فهو بيع .
2 - الصلح عن إنكار , ومعناه أن يدعي شخص على آخر بعين له عنده ; أو بدين في ذمته له , فيسكت المدعى عليه وهو يجهل المدعى به , ثم يصالح المدعي عن دعواه بمال حالٍّ أو مؤجل , فيصح الصلح في هذه الحالة في قول أكثر أهل العلم ; لقوله عليه الصلاة والسلام : الصلح جائز بين المسلمين ; إلا صلحا حرم حلالا , أو أحل حراما رواه أبو داود والترمذي وقال : " حسن صحيح " , وصححه الحاكم , وقد كتب بهذا الحديث عمر إلى أبي موسى رضي الله عنهما , فصلح الاحتجاج به لهذه الاعتبارات .
وفائدة هذا النوع من الصلح للمدعى عليه أنه يفتدي به نفسه من الدعوى واليمين , وفائدته للمدعي إراحته من تكليف إقامة البينة وتفادي تأخير حقه الذي يدعيه .
والصلح عن الإنكار يكون في حق المدعي في حكم البيع , لأنه يعتقده عوضا عن ماله , فلزمه حكم اعتقاده , فكأن المدعى عليه اشتراه منه , فتدخله أحكام البيع من جهته , كالرد بالعيب , والأخذ بالشفعة إذا كان مما تدخله الشفعة .
وحكم هذا الصلح في حق المدعى عليه أنه إبراء عن الدعوى ; لأنه دفع المال افتداء ليمينه وإزالة للضرر عنه وقطعا للخصومة وصيانة لنفسه عن التبذل والمخاصمات ; لأن ذوي النفوس الشريفة يأنفون من ذلك , ويصعب عليهم , فيدفعون المال للإبراء من ذلك , فلو وجد فيما صالح به عيبا ; لم يستحق رده به ; ولا يؤخذ بالشفعة ; لأنه لا يعتقده عوضا عن شيء , وإن كذب أحد المتصالحين في الصلح عن الإنكار , كأن يكذب المدعي , فيدعي شيئا يعلم أنه ليس له , أو يكذب المنكر في إنكاره ما ادعي به عليه , وهو يعلم أنه عليه , ويعلم بكذب نفسه في إنكاره , إذا حصل شيء من هذا الكذب من جانب المدعي أو المنكر ; فالصلح باطل في حق الكاذب منهما باطنا ; لأنه عالم بالحق , قادر على إيصاله لمستحقه , وغير معتقد أنه محق في تصرفه , فما أخذه بموجب هذا الصلح حرام عليه ; لأنه أخذه ظلما وعدوانا , لا عوضا عن حق يعلمه , وقد قال الله تعالى : وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وإن كان هذا الصلح فيما يظهر للناس صحيح , لأنهم لا يعلمون باطن الحال , لكن ذلك لا يغير من الحقيقة شيئا عند من لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء , فعلى المسلم أن يبتعد عن مثل هذا التصرف السيئ والاحتيال الباطل .
ومن مسائل الصلح عن الإنكار أنه لو صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه , صح الصلح في ذلك , لأن الأجنبي يقصد بذلك إبراء المدعى عليه وقطع الخصومة عنه ; فهو كما لو قضى عنه دينه , لكن لا يطالبه بشيء مما دفع ; لأنه لا يستحق الرجوع عليه به ; لأنه متبرع .
* ويصح الصلح عن الحق المجهول سواء كان لكل منهما على الآخر أو كان لأحدهما , إذا كان هذا المجهول يتعذر علمه , كحساب بينهما مضى عليه زمن طويل , ولا علم لكل منهما عما عليه لصاحبه ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم لرجلين اختصما في مواريث درست بينهما : استهما , وتواخيا الحق , وليحلل أحدكما صاحبه رواه أبو داود وغيره , ولأنه إسقاط حق , فصح في المجهول للحاجة , ولئلا يفضي إلى ضياع المال أو بقاء شغل الذمة , وأمره صلى الله عليه وسلم بتحليل كل منهما لصاحبه يدل على أخذ الحيطة لبراءة الذمة وعلى عظم حق المخلوق .
* ويصح الصلح عن القصاص بالدية المحددة شرعا أو أقل أو أكثر ; ولأن المال غير متعين ; فلا يقع العوض في مقابلته .
* ولا يصح الصلح عن الحدود لأنها شرعت للزجر , ولأنها حق لله تعالى وحق للمجتمع ; فالصلح عنها يبطلها , ويحرم المجتمع من فائدتها , ويفسح المجال للمفسدين والعابثين .
باب في أحكام الجوار والطرقات
تناول الفقهاء أحكام الجوار وأحكام الطرقات ; لما لهذا الموضوع من الأهمية البالغة :
* فقد تعرض مشاكل بين الجيران يجب حلها وحسمها , لئلا تفضي إلى النزاع والعداوة , وحلها يكون بطرق :
- منها : إجراء الصلح بينهم بما يحقق العدل والمصلحة .
- ومن ذلك : لو احتاج الجار إلى إجراء الماء مع أرض جاره أو سطحه وتصالحا على ذلك بعوض , جاز هذا الصلح ; لدعاء الحاجة إلى ذلك , ثم إن كان هذا العوض في مقابل الانتفاع مع بقاء ملك صاحب الأرض أو السطح عليه ; فهذا العقد يعتبر إجارة , وإن كان مع زوال الملك ; اعتبر بيعا .
- وإذا احتاج الجار إلى ممر في ملك جاره , وبذله له عن طريق البيع أو عن طريق الصلح ; جاز هذا ; لدعاء الحاجة إليه , ولا ينبغي للمالك أن يستغل حاجة جاره فيرهقه ببذل العوض أو يمتنع من استخدام هذا الممر فيحرج جاره ويحول بينه وبين مصلحته , وإذا امتد غصن من شجرته في هواء جاره أو في قرار ملكه ; وجب على مالك الغصن إزالته : إما بقطعه أو ليه إلى ناحية أخرى ; ليخلي ملك الغير , فإن أبى مالك الغصن أن يعمل شيئا من ذلك ; فلصاحب الهواء أو القرار أن يزيل ضرره بأحد هذه الإجراءات , لأنه بمنزلة الصائل , فيدفعه بأسهل ما يمكن , وإن تصالحا على بقاء الغصن ; جاز ذلك , سواء كان بعوض على الصحيح , أو على أن ثمرته بينهما . - وحكم العرق إذا حصل في أرض الجار حكم الغصن على ما مر بيانه .
- ولا يجوز أن يحدث الإنسان في ملكه ما يضر بجاره , كحمام أو مخبز أو مطبخ أو مقهى يتعدى ضرره , أو مصنع يقلق جاره حركاته وأصواته , أو فتح نوافذ تطل على بيت جاره .
- وإذا كان بينه وبين جاره جدار مشترك , حرم أن يتصرف فيه بفتح طاق أو غرز وتد إلا بإذنه , ولا يجوز له وضع الخشب على الجدار المشترك أو الخاص بالجار إلا عند الضرورة , إذا لم يمكنه التسقيف إلا به , وكان الجدار يتحول وضع الخشب ; فحينئذ يمكن من وضع الخشب ; لحديث أبي هريرة رضي الله عنه يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم : لا يمنعن جار جاره أن يضع خشبه على جداره ثم يقول أبو هريرة : ما لي أراكم عنها معرضين ؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم , متفق عليه ,
فدل هذا الحديث على أنه لا يجوز للجار أن يمنع جاره من وضع الخشب في جداره , ويجبره الحاكم إذا امتنع ; لأنه حق ثابت لجاره بحكم الجوار . هذا بعض ما يتعلق بالجوار من أحكام .
* أما ما يتعلق في الطرقات : - فلا يجوز مضايقة المسلمين في طرقاتهم بل يجب إفساح الطريق , وإماطة الأذى عنه ; لأن ذلك من الإيمان ; كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم .
- ولا يجوز أن يحدث في ملكه ما يضايق الطريق ; كأن يبني فوق الطرق سقفا يمنع مرور الركبان والأحمال , أو يبني دكة للجلوس عليها .
- ولا يجوز له أن يتخذ موقفا لدابته أو سيارته بطريق المارة , لأن ذلك يضيق الطريق , أو يسبب الحوادث .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : " لا يجوز لأحد أن يخرج شيئا في طريق المسلمين من أجزاء البناء , حتى إنه ينهى عن تجصيص الحائط ; إلا أن يدخل رب الحائط منه في حده بقدر غلظه . .. " انتهى .
- ويمنع في الطريق الغرس والبناء والحفر ووضع الحطب والذبح فيها وطرح القمامة والرماد وغير ذلك مما فيه ضرر على المارة . ويجب على المسئولين عن تنظيم البلد من رجال البلديات منع هذه الأشياء , ومعاقبة المخالفين بما يردعهم , وقد كثر التساهل في هذا الأمر المهم , فصار كثير من الناس يحتجزون الطرقات لمصالحهم الخاصة , يوقفون فيها سياراتهم , ويضعون فيها الأحجار والحديد والإسمنت لبناياتهم , ويحفرون فيها الحفر , وغير ذلك , والبعض الآخر من الناس يلقي الأذى في الأسواق من الفضلات والنجاسات والقمامات , غير مبالين بمضارة المسلمين , وهذا كله مما حرمه الله ورسوله , قال الله تعالى : وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا وقال النبي صلى الله عليه وسلم : المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده وقال صلى الله عليه وسلم : الإيمان بضع وسبعون شعبة : أعلاها قول : لا إله إلا الله , وأدناها إماطة الأذى عن الطريق , والحياء شعبة من الإيمان إلى غير ذلك من الأحاديث التي تحث على احترام حقوق المسلمين والامتناع من أذيتهم , ومن أعظم أذية المسلمين مضايقتهم في طرقاتهم وإلقاء العراقيل فيها .
باب في أحكام الشفعة
* تعريف الشفعة لغة : الشفعة - بإسكان الفاء - مأخوذة من الشفع , وهو الزوج ; لأن الشفيع بالشفعة يضم الربيع إلى ملكه الذي كان منفردا .
* والشفعة ثابتة بالسنة الصحيحة , شرعها الله تعالى سدا لذريعة المفسدة المتعلقة بالشركة . قال الإمام العلامة ابن القيم رحمه الله : " ومن محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد إتيانها بالشفعة ; فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين مهما أمكن , ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب ; رفع هذا الضرر بالقسمة تارة وبالشفعة تارة , فإذا أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه ; كان شريكه أحق به من الأجنبي , ويزول عنه ضرر الشركة , ولا يتضرر البائع ; لأنه يصل إلى حقه من الثمن , وكانت من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد " . ومن هنا يعلم أن التحيل لإسقاط الشفعة مناقض لهذا المعنى الذي قصده الشارع , ومضاد له .
* وكانت الشفعة معروفة عند العرب في الجاهلية , كان الرجل إذا أراد بيع منزل أو حائطه , أتاه الجار والشريك والصاحب إليه فيما باعه , فيشفعه , ويجعله أولى رجل به , فسميت الشفعة , وسمي طالبها شافعا .
* والشفعة في عرف الفقهاء : استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه ممن انتقلت إليه بعوض مالي , فيأخذ الشفيع نصيب شريكه البائع بثمنه الذي استقر عليه العقد في الباطن .
* فيجب على المشتري أن يسلم الشقص المشفوع فيه إلى الشافع بالثمن الذي تراضيا عليه في الباطن , لما روى أحمد والبخاري عن جابر رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم ق