البيان في مداخل الشيطان كتاب البيان في مدخل الشيطان
تأليف
عبد الحميد البلالي
قدم له
محمد احمد راشد
بسم الله الرحمن الرحيم
تقديم
الاستاذ محمد احمد الراشد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آله وصحبه اجمعين.
اما بعد:...فان القران الكريم قد اطنب في التحذير من عدوين لدودين: من الشيطان ومن بني اسرائيل فما من صفحة فيه الا وفيها آية تكشف لك كيدهما او كيد احدهما وقد لا يلتفت المبتدي والعامي الى مغزى هذا الاهتمام في القرآن بهذين الخطرين الا ان الناظر في السيرة المطهرة المحلل لتاريخ الامة المتأمل في التجارب الحاضرة الراصد لأسباب الضعف والخلاف : يدرك بوضوح أنهما وراء كل فتنة وشر. وسبب كل تحذيل وتعويق.
فلا عجب أن يتصدى الوعاة لتقليد القرآن في منهج التحذير من هذين العدوين فيطيلوا النفس جيلا بعد جيل في ترتيب الآي. واستنباط معانيها وتكميلها بمثلها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو أقوال معلمي الأمة.
من فقيه واقف على أسرار أعمال القلوب أو مؤرخ مكتشف لوثائق الادانة وخفايا العلاقات.
بيد أن استقرار معاني الحذر من الشيطان في القلب يحتاج الى ايمان عميق لا تحتاجه حقائق التاريخ وعلى الأخص أن هناك حاضرا مرئيا لبني اسرائيل تقاس عليه سابقاتهم لكن الاخبار بوجود الشيطان أمر غيبي ويحتاج قلبا يؤمن بالغيب الذي تحدثت عنه عقيدة الاسلام ومن لا يملك هذا الايمان بالغيب الذي تحدثت عنه عقيدة الاسلام ومن لم يملك هذا الايمان بالغيب فهو عن ادراك طبيعة الخطر بمعزل وعن النجاة بعيد وقد يكون المرء مسلما تمييز انواع كيده واستدراجه ويتقن فنون التملص من اغرائه.
فمن ثم كان هذا الكتاب الذي بادر الى جمعه أخي البلالي حفظه الله ورعاه اذ انه ادرك حاجة المكتبة الاسلامية الى بحث في هذه المعاني يقف عند النص القرآني وصحيح الماثور غير مشوب باحاديث ضعيفة وموضوعة ولا بقصص وهمية خرافية او بكلام جزاف فكان له التزام جيد بمنهج سليم تناول الموضوع من خلاله واعانه على ذلك اعتماده على متابعة علماء من سلف الامة ومحدثيها ممن عرفوا بصحة العقيدة ووفور التقوى فقد اصغى لابن الجوزي حتى وصف له تلبيس ابليس وسلك مدارجا مهدها ابن القيم وزامل سيدا خلال رحلة تاملية في ظلال القران ثم آب لك راجعا يقص عليك القصص ويخبر بما هنالك.
وكما ان المشروع الهندسي يعهده الناس الى مهندس ثم يلتمسون وصف الدواء من طبيب فكذلك هذا الخبر الصادق وفق الله لتبليغه اليوم من نعرفه بشدة الاحتياط ولا نزكي على الله احدا فكان في الفاظه وضوح ينبيك انه لم يصدر في ذلك عن مجرد رغبة بحث وتكاثر بالصفحات بل هو جهد تربوي منه لاخوانه الدعاة يتفاعل هو واياهم مع موضوعه كل يوم بل كل ساعة بل الموفق منهم المحترس اليقظ يفترض فيه ذلك كل لحظة
وحسب اخي ويكفيه انه قد فهم طبيعة التربية الايمانية التي تلزم الدعاة وعرف النقص فبادر الى محاولة الاستدراك بتجديد التذكير قي ضرورة النجاة من القاءات الشيطان واضعا اصحاب القلوب المتفتحة من اخوانه العاملين للاسلام التي لم تغلقها المعاصي والفتن ومحبة الدنيا في شغل كله خير محمود العواقب من زيادة الحذر ومحاسبة النفس وفصاحة الذكر وطول السجود.
فكتاب أخي هذا جزء نافع ان شاء الله من مجموع متطلبات الخطة التربوية للجماعات الاسلامية تلتذ خلال مطالعته بحماسته وبشفقته عليك.
وبحيوية النبرات الصادقة التذاذا ينسيك انواعا من جمال الانشاء والاسترسال البياني الجميل ومزيد مهارة في الصنعة التاليفية يحتاجها.
فقلم اخي في هذه المواعظ ما زال مبتدئا لم يستطع محاكاة البلغاء لكن نصائحه جاءت في ذروة الصدق فهي من ثم حرية بالقبول وطالب الانتفاع لا يسمح للبطر العلمي ان يمنعه من الاصغاء للنصيحة البسيطة المتواضعة اذا كانت صادقة ومن ابى الا ان ينمق له الكلام فهو واهم ومثقل نفسه بنوع من الترف.
ان هذه المخاطبات دعوة الى الانتباه والحذر وليست فتحا لباب الوساوس فان الاسراف في ذكر خواطر السوء والتفرغ لردها يشغل المسلم عن اصل عمله في التوجه لفعل المعروف وفي ذلك بعد وانحراف عن طريقة السلف الصالح بل الصواب ان يقذف المسلم نفسه في لجة العمل مجتهدا متحريا صفاء النية وصواب الابتداء فيخرجه ذلك الى استمرار تلقائي وحصانة ذاتية ضد الوسوسة بسبب امتلاء النفس والجوارح بمقاصد الخير والخطو اليه دونما حيز فراغ فيهن تطرقه الخواطر الشيطانية او تحتله فاذا بقيت من بعد بقية لهذه الوساوس فان سعة آفاق الرجاء في قلب المؤمن تتكفل بتبديدها ولا يكمل الايمان بمجرد خوف من رب جبار منتقم ومن عقابه وناره ومن شيطان خلقه وجعل كيده فتنة وامتحانا للعالمين بل حتى يقابل ذلك رجاء اكبر وانتظار لطف من رب رحيم غفور ودود.
فالمهم في عمل اخي البلالي انه انطلق من حقيقة وجوب العلم بالشر واسبابه ومتاهاته
علما موازيا لعلمنا بالخير واسبابه وطريقه المستقيم ولذلك لم يكن لينتهي الى نتيجة ابتداعية يميل معها الى عزلة وسلبية تورط فيهما بعض المسلمين من قبل ولهم اليوم عقب وارث وانما اخذ بيدك نحو ايجابية التوكل على الله تعالى للتغلب على تزيين الشيطان . وشخصية اخي الكاتب تدلك على بعض سمات هذه الايجابية اذ انه درس الهندسة الكهربائية في جامعات بريطانيا وهو اليوم مهندس يؤدي دوره في العمران المدني للحياة.كما انه داعية ملتزم بموازين الايمان يؤدي دورا في البناء الحضاري الفكري العقائدي الاخلاقي للامة يحرص معه على ابرائها من امراض رآها تنخر كيان المجتمع الغربي الذي عاش فيه بضع سنين.
لكل ذلك فاني احث شباب الدعوة الاسلامية على مطالعة هذا الكتاب وتدبر ما فيه من اوصاف الشبهات والشهوات التي يلزمهم تجنبها فان المزالق كثيرة والاغواء قائم والتذكرة واجبة . ومن انتهى فنفسه انجى.
والله الهادي الى صواب القول والعمل وبه نعوذ من همزات الشياطين.
محمد احمد الراشد
مقدمة
ان الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور انفسنا ومن سيئات اعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادي له واشهد ان لا اله الا الله مالك السموات والارض وما بينهما القادر على كل شىء قدير الباسط يديه بالليل ليتوب مسيء النهار وبالنهار ليتوب مسيء الليل واشهد ان محمدا عبده ورسوله ارسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون بسببه انجلت الغشاوة عن الاعين والوقر عن الآذان وسطع نور الحق على القلوب التي كانت مغلقة فتفتحت به تفتح الازهار عند الشروق.
جاب الاسواق شرقا وغربا عارضا سلعته التي اوكله الله بعرضها للبشر صائحا بهم الا ان سلعة الله غالية الا ان سلعة الله الجنة . الجنة اقرب الى احدكم من شراك نعليه والنار مثل ذلك فاقبلت عليه فئتان من الناس الاولى آثرت الاخرة على الدنيا واشترتها فباعت نفسها ومالها لله فاخترقت البشارة تشق عباب الغيوم نازلة من العرش اليهم تبشرهم " ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة"
واما الفئة الاخرى فقد " اشتروا الضلالة بالهدى" فنزلت البشارة تخبرهم انه سوف " لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينصرون"
اما بعد فان الله بعدما اخبر الملائكة قائلا لهم" اني جاعل في الارض خليفة قالوا اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونح نسبح بحمدك ونقدس لك قال اني اعلم ما لا تعلمون" ولكي يثبت لهم بأن آدم يتميز بميزة عنهم " علم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة " فقال لهم وهو العليم بهم وبضعفهم وبخصائصهم
" أنبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين" ووقفوا امام هذا السؤال مبهوتين فعرفوا ضعفهم وانهم ليسوا بقادرين على الذي يقدر عليه هذا المخلوق الجديد فاعترفوا وقالوا
" سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم" وبعدها
" قال يا آدم انبئهم باسمائهم فلما انبأهم باسمائهم قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون. ؟
وتكريما لهذا المخلوق الجديد نادى الله بالملائكة وكان الامر شاملا للشيطان
" اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين"
ويسال الله جل جلاله الشيطان عن ابائه عن السجود قال له
" ما منعك الا تسجد اذ امرتك" فانبجست عيون الحقد والكبر من اغوار نفسه فرد على الله خالقه من عدم بكل جرأة " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"
وهل يرضى الله ان ينازعه احد في كبريائه وهو القائل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم " العز ازاري والكبرياء ردائي فمن ينازعني في واحد منهما فقد عذبته"
فقال له" اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين"
ولكن هل يصمت عدو الله امام هذا ويقف مكتوف الايدي وآدم يتمتع هو وزوجه بالجنة"لا" فلا بد من الانتقام من ذلك المخلوق الذي كان سببا في طرده.
وراح يوسوس لهما لكي يزحزحهما عما كانا فيه وقام يدليهما رويدا رويدا بغرور حتى وصل الدلو الى القاع الذي يريد النتيجة ان عصيا امر ربهما فنادهما ربهما
" ألم أنهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين"؟
ولكن ماذا يفعلان بعد ان عصيا ربهما وما المصير الذي ينتظرهما؟ ولم يكن انسب من ان يعترفا بذنبهما ويطلبا من مولاهما العفو فقالا:" ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين".
وقبل ان يامرهم بالهبوط الى الارض قال عدو الله طالبا من الله ان يؤجله.
" انظرني الى يوم يبعثون" ويطلب من الله النظرة الى يوم البعث كي يكون اكبر وقت يستطيع فيه ان يجذب بني آدم بتزيينه ويرمي بهم في جهنم فهو لا يرضى بوقت قصير يجذب به القليل انما يدعوه حقده الى ان يطلب من الله النظرة الى يوم البعث فهو لا يرضى ان يكون لوحده بجهنم كما انه لا يرضى بان يكون مع عدد قليل بل لا بد من امم تكون معه من سلالة عدوه الذي كان سببا في طرده ولكن الله يرد عليه قائلا:
" انك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم" وما ان اذن له بالبقاء حتى قام يسرد على الله بكل وقاحة وحقد دون استحياء من الله ولا خوف خطته لاضلال البشرية قائلا
"فبما اغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ولا تجد اكثرهم شاكرين انه سيدخل على ابن آدم من كل مكان ومن كل اتجاه ليصهره في بوتقة الضلال. ويشاء الله ان يهبطوا منها جميعا ويبدا الصراع بين عدو الله وآدم ويعلنها عدو الله حربا لا هوادة فيها ويضع عدة الحرب ويلبس لباس المعركة ولا ينزعه حتى اليوم المعلوم حرب شاملة تسير على خطة متشعبة ويقوم بتنفيذها جيوش الباطل في كل مكان بقيادة ابليس حرب الهدف منها اطفاء نور الله والقاء بني آدم في جهنم. وها هم الآلاف المؤلفة يتساقطون امام مهام الشيطان ويخرون في وحل الضلال وها هي جيوش الشيطان تسير وكل يوم ينظم اليها الكثير من بني آدم بسبب احكام ابليس تنفيذ مخططه بالاغواء.
ويكشف الله مخططه الرهيب ويجلي خطة عدوه عاليا وتبدو واضحة لكل من اراد ان ينظر انها مليئة بالمداخل من امر بالسوء بالتصور والفعل وتخويف بفقر قاتل وتخويف باولياء الباطل والقاء الاماني الكاذبة وايقاع العداوة بين افراد الاسرة الواحدة والمجتمع الواحد والامة الواحدة والصد عن ذكر الله باليسر والعسر وتزيين الباطل في عيون اصحابه واستهواء يثقلهم للارض وايماء بجدل عقيم وتحريم لما احل الله من الطعام واللباس والنساء وغرس الياس من النصر وتفكيك للاسرة ونزغ بالعجب بالنفس والاستعلاء على الغير والاستفزاز بصوته القبيح ومشاركة بالاموال بالاولاد والقاء الهمزات الخفيةفي نظرة بشهوة او فكرة لا تعين على ذكر الله وغضب للنفس ونجوى بين اثنين ليحزن الذين آمنوا واستحواذ على النفوس بالشهوات ووسوسة تنقلك من عالم الخشوع الى عالم النسيان وغيرها قليل لا تحصيها ورقاتنا القليلة.
ولقد اوضح الله لعباده هذه المداخل كلها لتعينهم في حربهم مع عدوهم فاخذتها فئة من الناس ودرستها دراسة وافية ووضعت الجيوش على جميع الثغور كي تصد كل هجمة من العدو وتحكم الحراسة للقلب لئلا يدنسه العدو الحاقد وفئة اخرى فتحت ابواب قلوبها على مصراعيها وغزت الشياطين قلوبها حتى تحولت قلوبهم الى معسكرات لجيوش الشيطان.
وتسير الجيوش جيوش الشيطان حتى تصل الى الغاية التي رسمها عدو الله وصلت الى نهاية الطريق بعد ان سارت طيلة هذه الدنيا على هذا الكوكب الصغير ولكن اين الغاية؟
اين المتعة؟ اين انا؟
هاهي الغاية المضحكة والمبكية في آن واحد .
هاهي المتعة التي كنتم توعدون انها آفة كبيرة فاتحة فاها متشوقة لتقبيلكم ومعانقتكم بعد فراق.
هاهي تخرج الزفير والشهيق شوقا للقائكم" اذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور تكاد تميز من الغيظ".
ويلكم اما ترونها " ترمي بشرر كالقصر كانه جمالة صفر" ؟
اما تسمعونها تصيح " هل من مزيد" ؟
ها هو معسكركم الكبير وقد اندلعت النيران فيه وهذا قائدكم العام ورؤساكم الذين اتبعتوهم وصفقتم لهم ونصرتموهم بالباطل جميعهم وصلوا الى ما يريدون .
" هذه النار التي كنتم بها تكذبون افسحر هذا ام انتم لا تبصرون. اصلوها فاصبروا او لا تصبروا سواء عليكم انما تجزون ما كنتم تعملون.
لقد انتهت الخطة التي وضعها القائد العام للقوات الضالة لقد انتهت الخطة التي وضعها للانتقام من هذا المخلوق وما اطوله من انتقام...وكانت جهنم واهوالها هي نتيجة الاتباع ...
ولم يترك الله ابن آدم هكذا سدى دون علاج فلقد وصفه له واحسن الوصف في القران الكريم والسنة لكي يستعين به في مواجهة هذا العدو وليكون سببا في فوزه بسلعة الله.
ورب سائل يسال لماذا خلق الله ابليس وهو الذي يسبب ضلال الافراد والجماعات بنشر الفساد في الارض ؟؟ ومما لا شك فيه ان وراء كل خلق حكمة يعلمها الخالق جلت قدرته فمن حكم خلق ابليس ان تظهر قدرته تعالى على خلق المتضادات المتقابلات فخلق ذات ابليس التي هي سبب كل شر في مقابلة ذات جبريل التي هي مادة كل خير. تماما كخلقه الليل والنهار والضياء والظلام والداء والدواء والحسن والقبيح والماء والنار والخير والشر وذلك من اول الدلائل على كمال قدرته وعزته فخلو الوجود من بعض هذه المتضادات بالكلية تعطيل لحكمته وكمال تصرفه وتدبير مملكته .
ومنها ظهور آثار اسمائه القهرية" كامنتقم وشديد العقاب وسريع الحساب"
فلا بد من وجود هذه الاسماء من سبب فلو كان كل الخلق على طبيعة الملك لم يظهر اثر هذه الاسماء.
ومنها ظهور اسمائه المتعلقة بالرحمة والحلم والعفو والمغفرة والستر.
فلولا خلق ابليس المسبب للمعاصي لما ظهرت آثار هذه الاسماء.
ومنها حصول العبودية المتنوعة التي لولا خلق ابليس لما حصلت ولكان الحاصل بعضها. منها احب العبوديات الى الله وهي الجهاد فلو كان الناس كلهم طائعين لاختفت هذه العبوديه وتوابعها من الموالاة فيه والمعاداة فيه والحب فيه والبغض فيه وبذل النفس والمال له والدعوة اليه وغيرها حكم كثيرة ذكرها الامام ابن القيم في كتابه مدارج السالكين.
وبعد ذلك كله لا ادعي ان الله حذر عباده من ابليس وذكر لهم عاقبة اتباعه دون ان يذكر لهم العلاج ودون ان يقرن ذلك برحمته الواسعة ودون ان يرغبهم بالجهاد في سبيله وهو القائل " سابقوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والارض اعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم"
وقال تعالى: " قل يا عبادي الذين اسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ان الله يغفر الذنوب جميعا انه هو الغفور الرحيم.
وفي الصحيحين عن ابي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" لما قضى الله عز وجل الخلق كتب كتاب فهو عنده فوق العرش ان رحمتي غلبت غضبي" .
وبعد فانه لا يستطيع اي انسان ان يحارب عدوه حتى يعرف من يحارب وما هي نقاط الضعف فيه وما هي خططه وانواع اسلحته وكميتها وجنوده وعددهم ونقاط الضعف فيهم ... حينها يكون طريق النصر سهل نجري به ولا نتعثر واثقين من نهايته فاما نصر واما شهادة.
وللحصول على كل هذه المعلومات عن العدو بهذه الدقة استعنت بكتاب الله الكريم واستعنت بالسنة المطهرة لتوضيح ما لم يكن واضحا واستعنت كذلك بكتب بعض علماء السلف كالامام ابو الفرج ابن الجوزي وشيخ الاسلام ابن تيمية والامام ابن القيم واستعنت ايضا ببعض التفاسير كتفسير ابن كثير وفي ظلال القران.
وبعد ذلك كله لا ابرىء نفسي من الخطأ والنقص والضعف وقلبي متفتح ان شاء الله لكل نقد يستند الى دليل شرعي من الكتاب والسنة.
واسال الله ان يكون هذا العمل صحيحا على ما جاء به الشرع خالصا لوجهه الكريم وان يكون نقيا من كل شائبة تعكر الاخلاص واساله تعالى الغفران على كل خطأ
والله المستعان والحمد لله رب العالمين.
الفصل الاول
البداية
1- الاخبار بخلق جديد
2- الامر بالسجود
3- عصيان الشيطان للامر
4- الطرد لابليس
5- طلب الانظار
6- تفاصيل الخطة
7- الاستثناء للبعض
8- اسكان آدم وزوجه الجنة
9- التطبيق الاول للخطة
10- الهبوط الى الارض
بسم الله الرحمن الرحيم
البداية:
وقصة البداية تتكرر كل يوم فيولد الكثير من الناس كما ان النهاية تتكرر كل يوم فيموت الكثير وهي النهاية التي تعني انقطاع عمل ابن آدم الا من ثلاث:
صدقة جارية او علم ينتفع به او ولد صالح يدعو له اما غير ذلك فينتهي بموته. والنهاية الحقيقية للانسان هي يوم القيامة حيث يجازيه الله بما عمل في الفترة الواقعة بين حياته وموته كما اخبر تعالى بقوله:
" الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا"
من ذلك يتبين ان البداية في حياة الانسان هي مرحلة بالغة الاهمية لانها المنطلق الذي ينطلق منه لتحقيق الهدف الذي خلق من اجله وهي عبادة الله.
" وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون"
ولأهمية هذه المرحلة في حياة الانسان لم يغفلها القران الكريم وظل يذكرها في كثير من المواضع . تلك البداية هي بداية اول انسان وقد سماه" آدم" وسبب الكثرة من ذكره كي نستخلص من تجربته التي خاضها مع عدوه ابليس للمنهج السليم الذي يعيننا على تحقيق غاية الخلق وكان ذكر هذه البداية مقسم الى اقسام.
فذكر كيف تم الاخبار بخلق جديد وكيفية خلقه وامره للملائكة بالسجود له. وعصيان الشيطان للامر ثم طرده للشيطان وطلب الشيطان النظرة ثم ذكر تفاصيل خطة ابليس لاغواء بني آدم واستثنائه لبعض بني آدم ممن يتصف ببعض الصفات كالعبودية لله والاخلاص ثم ذكر تكريم آدم وزوجه باسكانهما الجنة وذكر التطبيق الاول لخطة الشيطان باغواء آدم ثم ذكر امره لآدم وزوجه وابليس بالهبوط الى الارض وتوبة آدم من المعصية وقبول الله لها ثم ابتدأت حياة آدم وبنيه على هذا الكوكب لتطبيق الغرض الذي خلقهم الله من اجله فمن افلح بتحقيق هذا الهدف وحارب عدوه الاول ابليس ومنعه ان يسيطر عليه فعاقبته الفوز .
ومن اخفق بتحقيق هذا الهدف وسالم عدوه الاول ابليس وقبل بسيطرته عليه فعاقبته الخسارة.
الاخبار بخلق جديد
عندما شاءت الحكمة الالهية ان تجعل على هذا الكوكب خليقة ليعبد الله قال الله للملائكة:
" اني جاعل في الارض خليفة"
ولكن لعدم علم الملائكة بأسرار الحكمة الالهية وراء خلق هذا الخليفة .
" قالوا اتجعل فيها من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك" فرد عليهم:
" قال اني اعلم ما لا تعلمون" ولكي يريهم ان هذا المخلوق الجديد يتميز عنهم بميزة المعرفة
" علم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الاملائكة فقال
انبئوني باسماء هؤلاء ان كنتم صادقين" وامام هذا العرض وهذا السؤال اعترفوا بضعفهم امام مولاهم وقالوا بخضوع واجلال" سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا انك انت العليم الحكيم"وعندها امر آدم ان يريهم هذه الميزة التي يمتاز بها عنهم فقال له:
" ياآدم انبئهم باسمائهم فلما انباهم باسمائهم قال الم اقل لكم اني اعلم غيب السموات والارض واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون"
وتكريما لهذا المخلوق الجديد امر الله سبحانه وتعالى الملائكة بالسجود له.
الامر بالسجود للمخلوق الجديد
" واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين". ويسجد الملائكة جميعا الا ابليس ويابى ان يسجد للانسان ويكرهه منذ تلك اللحظة حقدا منه واستكبارا. وآدم بعد لم يخص معه المعارك ولم يرفع بوجهه السلاح .
عصيان الشيطان الآمر
وتبدأ اول جريمة للشيطان وهي عصيانه لامر الرحمن وذلك بان الملائكة جميعا سجدوا وكان الشيطان ضمن اولئك المامورين ولم يسجد فساله الله قال :
" ما منعك الا تسجد اذ امرتك" ويرد عدو الله بتكبر وحقد قال : انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين والعحب بهذا الجواب انه يقر ويعلم ان الله خالقه وخالق آدم ويعلم ان الله بيده الحياة والموت لذلك طلب منه في موضع اخر ان ينظره الى يوم البعث ومن هنا يتضح ان العلم منفرد لا ينفع صاحبه شيئا ما لم يكن مقرونا بالعمل وهذا الذي كان ينقص ابليس ولاجل ذلك غضب الله عليه وكتب عليه الصغار ولقد ملأ الله كتابه العزيز بالحث على العمل. فبشر العاملين ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار ." وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات ان لهم جنات تجري من تحتها الانهار " والذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك اصحاب الجنة "والذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مأب. بل وعدهم باعلى منزلة بالجنة فقال: " ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا وكذلك وعدهم بالمغفرة والعفو عن اخطائهم وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة واجر عظيم وكذلك وعدهم بالمغفرة والرزق الكريم معا فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم ووعدهم بالهداية ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بايمانهم ووعدهم بالاستخلاف في الارض وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم" وحتى المعصية فميزانها عند الله واحدة اذا اقترنت بتوبة نصوح غفرها الله وبدلها بحسنة واوجب له ما اوجب للعاملين اما ان لم تكن مقترنة بتوبة مع اصرار على المعصية كما فعل ابليس عندما ساله الله عز وجل ما لك الا تكون من الساجدين"فاجابه اجابة المصر على معصيته لم اكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون وعندها يحق غضب الله وعقابه وبعد ذلك يتضح جليا الفرق بين معصية آدم ومعصية ابليس في ميزان الله.
فأما آدم فقد قرن معصيته بتوبة فتاب الله عليه فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه واما معصية ابليس فلم تكن مقترنة بتوبة وانما قرنها باصرار على المعصية مما أوجب غضب الله عليه وطرده من رحمته التي وسعت كل شىء.
الطرد لأبليس
ان الكبرياء احدى صفات الله التي لا يرضى ان ينازعه فيها احد فان نازعه فيها احد فانه يعذبه سواء في الدنيا او في الاخرة واول من نازعه فيها هو ابليس بعد ان عصى امره بالسجود لآدم معللا ذلك بانه خير منه
فما كان من الخالق الا ان قال له اهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها فاخرج انك من الصاغرين.
لقد طرد من الجنة وطرد من رحمة الله وحقت عليه اللعنة وكتب عليه الصغار ولكن الشرير العنيد لا ينسى ان آدم هو سبب الطرد والغضب ولا يستسلم لمصيره اليائس دون ان ينتقم ثم ليؤدي وظيفته وفق طبيعة الشر التي تمخضت فيه .
طلب الانظار
ويضع عدو الله التخطيط الاول للانتقام من هذا الانسان فهو لا يرضى ان يكون لوحده في جهنم دون عدوه الذي كان سببا في طرده هنا يطلب من الخالق ان يؤجله الى يوم البعث كي ينجو من الموت لانه لا موت في يوم البعث." قال أنظرني الى يوم يبعثون "ويرد الله عليه ليس كما طلب الى يوم البعث ولكن الى يوم الوقت المعلوم وهو يوم القيامة " قال فانك من المنظرين الى يوم الوقت المعلوم" وما ان أذن له بالبقاء حتى قام يسرد على الله بكل وقاحة ودون استحياء منه ولا خوف خطته لاضلال البشرية.
تفاصيل الخطة
لقد اخبر الله تعالى عن مادة خلق الشيطان فقال:
" والجان خلقناه من قبل من نار السموم" ولهذه النار خصائص من ابرزها:
أ - الكبر:
" لقد قرر القرآن الكريم من هذه الصفات: الكبر وهو وصف يرى في نزوع النار الى الاستطالة والاستعلاء وارادة الارتفاع وان لنقرأ في القصة الكريمة ان الشيطان حضره ذلك الطبع حين امر بالسجود لآدم فأبى ان يكون مع الساجدين فطرده الله من رحمته" .
" قال فاهبط منها فما يكون لك ان تتكبر فيها" فأراحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم اذ محضه لنا واعلن حقيقته سوية واضحة:" الكبر بطر الحق وغمط الناس
( وبطر الحق: رده وعدم الاذعان له) .
وغمط الناس ازدراؤهم وانتقاص اقدارهم وحقوقهم- وكلتا شعبتا الكبر بارزتان في قصة امتناع ابليس من السجود لآدم " قال ما منعك الا تسجد اذ امرتك ؟ قال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " فقد توجه امر الله اليه بالسجود ولكنه رد هذا الحق ورفض الاذعان له معلنا فضله على آدم واحتقاره لشأنه
" انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين"
ب - العجلة والغضب:
ومن صفات النار التي يمكن اسنادها الى الشيطان كذلك ما ذكره القرطبي في تفسيره قال: قال الحكماء
" ومن جوهر النار الخفة والطيش والحدة والاضطراب"
وهي صفات يمكن استنباطها بمجرد المشاهدة والمراس ويجمعهما لك معنى العجلة والغضب ويستانس لها بما رواه ابو يعلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
" التاني من الله والعجلة من الشيطان"
والتاني ليس معناه البطء والتسويف عن مبادرة الخير انما هو النظرة الفاحصة البعيدة التي تريك مقدمات كل امر ونتائجه واوائله واواخره بحيث لا تسرع بانقاذ امر من الامور او رده الا بعد ان ترى ماله من عواقب.
اما العجلة فهي قصور النظر وسقوط الهمة عن التعلق بالغايات البعيدة العالية اكتفاء بما يبدو من وجه الامر وظاهره لاول وهلة ولعل المتامل في قصة امتناع ابليس عن السجود لآدم يرى اثر العجلة والغضب في عصيانه امر الله.
فان طبع الكبر ما كاد يحصره ويتحرك في نفسه حتى حضره طبع الطيش والخفة فجعل الى اتخاذ هذا الموقف من الله دون ان يجد في طبعه مسكة من الحلم والروية واعماه غضبه الذي سارع اليه عن ان يرى عاقبة امره وينظر فيما يحل به وهو الذي يعرف من قهر الله وبطشه ما يعرف .
الاحراق والاتلاف:
ولقد شبه القرآن الكريم ما يحدثه الايمان في قلوب المؤمنين بأنه " جنة بربوة اصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فان لم يصبها وابل فطل" وعقب على ذكر تلك الجنة بما يفعل الشيطان في اتلافها فقال:" ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل واعناب" الى فاصابها اعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون" ولعل مما يؤنس ايمانك في هذا المقام ان نسوق لك ما جاء في صحيح البخاري متعلقا بهذا المعنى" قال عمر رضي الله عنه يوما لاصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فيما ترون هذه الآية نزلت
" ايود احدكم ان تكون له جنة من نخيل"
قالوا: الله اعلم. فغضب عمر وقال قولوا او لا نعلم فقال ابن عباس في نفسي منها شىء يا امير المؤمنين فقال عمر قل يا ابن عباس لعمل رجل عمل بطاعة الله ثم بعث الله له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى احرق عمله.
وانطلاقا من هذه الخصائص التي خلق منها ابليس صاح مخاطبا خالقه فبما اغويتني لاقعدن لهم صراطك المستقيم وكانه يصر اصرارا شديدا ممزوجا بتلك الخصائص متبينا في كلمة لاقعدن وكانه قاطع طريق يقف في وسطه يمنع القوافل وعابري السبيل من المرور في هذا الطريقولقد وزع جيوشه بانتظام في هذا الطريق كل حسب تخصصه ووزع عليهم العصابات ليعصبوا بها اعين المارة.
ثم يمضي ليستمر بنفس الاسلوب في سرد خطته وبنفس الشدة والاصرار التي ذكرها في لاقعدن يقولها مرة اخرى مصمما ثم لاتينهم من بين ايديهم ومن خلفهم وعن ايمانهم وعن شمائلهم ويكمل انه سياتي للذين يحاولون اجتياز ذلك الطريق من امامهم ويصدهم عن اجتيازه بكل ما يملك من سلاح ومن خلفهم وعن شمائلهم وايمانهم. انها لحرب ضروس تلك التي يقيد بها الانسان من كل اتجاه ويهدد بشتى انواع الاسلحة ثم يقول ولا تجد اكثرهم شاكرين اي بسبب تلك القيود والعصابات التي عصبت بها اعينهم عن الحق سوف تجد اكثر الناس يشكرون ولقد اوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك القعود بقوله ان الشيطان قعد لابن آدم بطرق فقعد له بطريق الاسلام فقال اتسلم وتترك دينك ودين آبائك فعصاه واسلم ثم قعد له بطريق الهجرة فقال اتهاجر اتدع ارضك وسماءك؟ فعصاه وهاجر ثم قعد له بطريق الجهاد فقال اتجاهد وهو تلف النفس والمال فتقاتل فتقتل فتنكح نساؤك ويقسم مالك فعصاه وجاهد هكذا دائما يقعد في كل طريق يسلكه ابن آدم ويهدده بانواع الاسلحة التي لم يعهدها ابن آدم فان كان ضعيفا استسلم لهذه الاقاويل ووقع اسيرا لابليس يصب عليه انواعا من العذاب يجعله لا يعرف الطريق الصحيح الموصل للنهاية الامنة التي رسمها الله لعباده واما ان كان قويا بنور الله يابى ان تعصب عيناه بتلك العصابات ويمزقها ويمضي قدما لا يستسلم لتهديدات ابليس بل يشق صفوف جند ابليس بسهولة ويسر ويسلك طريق الحق حتى يصل الى النهاية الآمنة التي وعدها الله عباده المخلصين.
ويمضي في سرد خطته بتحليل ادق وبتفاصيل اكثر فيقول:" رب بما اغويتني لأزينن لهم في الارض ولأغوينهم أجمعين.
لقد قسم خطته الى قسمين التزيين ثم الغواية والتي هي نتيجة طبيعية للقسم الاول. والتزيين( التزييف)
وهو اظهار الشىء بصورة تختلف عن صورته الحقيقية ولقد غرس هذه الخطة الرهيبة في الارض وجنى منها وما زال يجني من ثمارها الشىء الكثير فزين للراقصة
والمغني والمتبرجة والزانية سوء عملهم باسم الفن وزين لكثير من العباد سوء عبادتهم وظنوا انهم وصلوا الى الله وزين لكثير من الشعوب بعض عاداتهم وتقاليدهم التي تكون غالبا معارضة للاسلام وهديه وكم زين لكثير من دارسي العلوم فصاروا يحاربون الله بعلومهم وزين لكثير من الحكام القوانين الوضعية والحلول المستوردة التي وضعها الانسان بدلا من قانون الله ولقد وصل تزيينه لهم الى حد انهم قالوا اخيرا: انه لا بد من ترقيع قوانيننا
بشريعة الاسلام ولكن بطريقة عصرية وتزيينه هذا كثير جدا لا تسعه هذه الصفحات.
والتزيين في كل شىء تحويله من قبيح الى جميل براق جذاب كحفرة عميقة غطيت باجمل الزهور واحيطت بالآلىء والزمرد ورشت عليها العطور وما ان تاتي الفريسة المسكينة لتنخدع بهذا الجمال الفاتن حتى تطير الزهور من الحفرة وتقتلع اللآلىء من اماكنها وتفوح رائحتها النتنة التي تغطي رائحة العطر المرشوش وتظهر الحفرة العميقة وتقع الفريسة المسكينة التي اغراها الجمال الزائف والتزيين لتقع في تلك الحفرة وتهوي بها وتظل تهوي فاما ان ترفعها توبة الى الله خارج الحفرة المظلمة الى اعلى لتلتصق بتلك الانوار انوار الهداية الربانية واما ان تهوي حتى تصل الى القاع
وبعد ذلك تاتي المرحلة الثانية من هذا المخطط الذي هو الاغواء عن الحق وهي النتيجة الطبيعية لضحايا التزيين- المضلل عن الحق حتى ولو كان الحق قريبا منهم بمنزلة اليد من الجسد كما قال الله تعالى:
" أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض اذا اخرج يده لم يكد يراها وانى له ان يراها وهو في هذا الظلام المتراكم فلقد الف الواقعين بتلك الحفرة الروائح النتنة والظلام فاصبحوا لا يحبون النور لانهم رأوا بصيصا من نور وقد غطوا اعينهم باكفهم او بما يملكون ثم تحولوا الى قطعة من ظلام دامس ويظل الصياد الكبير يحوم حول الحفرة يرمي بتزيينه آلافا وملايين بتلك الحفرة الظلماء ولا ينتهي الى هذا الحد ولا ترده عظمة الله وهو واقف امامه والملائكة خاضعون له لا يصده كل ذلك عن اكمال سرد مخططه وهو يقول :" ارايتك هذا الذي كرمت علي لئن اخرتني الى يوم القيامة لأحتنكن ذريته" .
انه يتوعد ويهدد بني آدم من الاستيلاء عليهم واستذلالهم ولكن هل يستطيع ان يستذل كل بني آدم ويستولي عليهم؟ وهل ذلك ضمن سنة الله؟ وهل للانسان ارادة وعقل يميز بين الحق والباطل؟ واذا كان الجواب بنعم كما اخبرنا الله بكتابه بان للانسان عقل يميز بين الحق والباطل وان له ارادة يستطيع بها ان يبتعد عن طريق الباطل ويسلك طريق الحق " ونفس وما سواها فالهمها فجورها وتقواها قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها"
وقال:" وهديناه النجدين" اي الطريقين بعد ذلك كله يكون من سنة الله في الحياة الدنيا وجود فريقين على هذا الكوكب فريق الحق وفريق الضلال وهكذا لا بد من الاستثناء .
الاستثناء للبعض
وياتي في عرض خطته فقرات استثناء لفئة من بني آدم فلقد قال:" لأحتنكن ذريته الا قليلا" هذه الفئة القليلة لا تستطيع تلك الآفة مضغها ولئن مضغتها ستتكسر انيابها وتتفتت مقاطعها فهي من طبيعتها لا تحب ان تقربها لأنهم لا تمضغ.
من هؤلاء الذين استثناهم عدو الله من الاحتناك في خطته؟ عباد الرحمن الذين يسبحون ببحر الحق وسوف لا يغرقون ابدا انهم جند الله فكيف يغلبون ؟.
وهل الله يتركهم وهو الذي اعطى الشيطان ما سأل وهو عدوه فكيف بمن يحبه؟ لقد تضاءل الشيطان امام ايمانهم واصبحت خطته مع عظمتها وخطورتها ضعيفة امام جدار الايمان الشامخ الملتصق بالسماء وها هو يقول:
" الا عبادك منهم المخلصين" فالاخلاص هو السبب المباشر في الاستثناء والاخلاص لله وحده دون اشراك اي شىء مهما كان ضئيلا معه من هوى ونفس وزوج وولد ومال هذا الاخلاص هو الزاد المفيد لذلك السفر وهو الدرع الواقي لهجمات ابليس.
وجاء بعد امر السجود لآدم تكريما اخر وهو اسكان آدم وزوجه بالجنة ولكن ما مصير الشيطان وماذا سيفعل آدم وزوجه امام هذه التجربة الجديدة؟
اسكان آدم وزوجه الجنة
ويدخل آدم مرحلة جديدة في حياته بعد ان قال له عز وجل :" يا آدم اسكن انت وزوجك الجنةوكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين"
لقد أبيحت لهما ثمار الجنة الا شجرة واحدة ربما كانت ترمز للمحظور الذي لا بد منه في حياة الارض . فبغير محظور لا تنبت الارادة ولا يتميز المريد من الحيوان المسوق ولا يمتحن صبر الانسان على الوفاء بالعهد والتقيد بالشرط فالارادة هي مفرق الطريق. والذين يستمتعون بلا ارادة هم من عالم البهائم ولو كانوا في شكل الآدميين.
التطبيق الأول للخطة
وبينما آدم وزوجه بالجنة اذ اعلن عدو الله الحرب على هذا المخلوق الجديد بعد ان انتهى من وضع المخطط .
فتقلد سيف الحقد وركب جواد الكبر ورفع راية الحرب وانطلق متجها حيث يقطن آدم وزوجه ودخل عليهما ليكون حائلا دون استمتاعهما بذلك النعيم ووجها لوجه اندلعت الحرب وانتصر عدو الله في اول معركة له مع المخلوق الجديد " فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه". ولقد طبق الخطة تطبيقا دقيقا واستخدم سلاحا
لم يعهده آدم من قبل فلقد وسوس لهما " ليبدي ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين او تكونا من الخالدين . وقاسمهما اني لكما من الناصحين.
" وهكذا وسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وهذا كان هدفه لقد كانت لهما سوآت ولكنها كانت مواراة عنهما لا يريانها ولكنه لم يكشف لهما هدفه بطبيعة الحال انما جاءهما من ناحية رغائبهما
" وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا ان تكونا ملكين او تكونا من الخالدين" لذلك داعب رغائب الانسان الكامنة.
انه يحب ان يكون خالدا لا يموت ومعمرا اجلا طويلا كالخلود ويحب ان يكون له ملك محدد بالعمر القصير المحدد وفي قراءة ( ملكين ) بكسر اللام وهذه القراءة يعضدها النص الآخر في سورة طه:
" هل ادلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى"
وفي هذه القراءة يكون الاغراء بالملك الخالد والعمر الخالد . وفي قراءة ( ملكين ) بفتح اللام يكون الاغراء بالخلاص من قيود الحسد كالملائكة مع الخلود ولكن القراءة الاولى وان لم تكن هي المشهورة اكثر اتفاقا مع النص القرآني الآخر ومع اتجاه الكيد الشيطاني وفق شهوات الانسان الاصيلة- ولما كان - اللعين - يعلم ان الله قد نهاهما عن هذه الشجرة وان هذا النهي له ثقله في نفسيهما وقوته فقد استعان على زعزته - الى جانب مداعبة شهواتهما- بتامينهما في هذه الناحية فحلف لهما بالله انه لهما ناصح وفي نصحه صادق" وقاسمهما اني لكما لمن الناصحين"
ونلاحظ من النص القراني انه بدا معهما الوسوسة ليبدي ما ووري عنهما من سوآتهما وكأن الحياة هي الحائل الاول الذي يقف امام معصية الله فعمل على ازالته اولا ثم توغل بتطبيق خطته باناة ويسر والله اعلم.
وما زال يتابع تطبيق خطته" فدلاهما بغرور"
ودلى في اللغة معناها " دلى الدلو- ارسلها في البئر "
فكأن الشيطان اللعين وضع آدم وزوجه بالدلو وقام بانزال الدلو رويدا رويدا حتى اوقعهما فيما يريد من الباطل والكذب وبنفس الاسلوب ونفس الخطة التي لم تتغير منذ ان كذب على آدم الى الان - لا زال يستخدم التدلية حتى الايقاع بالقاع.
وقال الله تعالى للملائكة:" اني جاعل في الارض خليفة"
وخلق آدم فآدم مخلوق لهذه الارض منذ اللحظة الاولى.
ففيم اذن كانت تلك الشجرة المحرمة ؟ وفيم اذن كان بلاء آدم ؟ وفيم اذن كان الهبوط الى الارض وهو محلوق لهذه الارض منذ اللحظة الاولى؟
لعلني المح ان في هذه التجربة تربية لهذه الخليقة واعدادا لها. وايقاظا للقوى المذخورة في كيانها. انها كانت تدريبا لها على تلقي الغواية وتذوق العاقبة وتجرع الندامة ومعرفة العدو والالتجاء بعد ذلك الى الملاذ الأمين.
الهبوط الى الارض
وياتي نداء الحق جلت قدرته عتابا لهما على ما فعلا بعد ان حذرهما من عدوهما بانه ظاهر العداوة معهما ومع هذا التحذير فعلا ما فعلا .
" وناداهما ربهما: الم انهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين"
ولكن ماذا يصنعان بعد ان عصيا ربهما وما المصير الذي ينتظرهما؟ لم يكن انسب من ان يعترفا لمولاهما بذنبهما ويسألانه العفو فقالا:" ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين"لقد كانت لهما فرصة...
فرصة الاستغفار والرجوع في وقت لم تقم به الساعة ولم يكونا بعد في سكرات الموت ... ولم يمض وقت طويل حتى أجابهما الله على سؤالهما وتاب عليهما .
" فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه انه هو التواب الرحيم"
وبد ذلك جاء امر الله بالهبوط الى الارض حيث بدات المعركة بين الحق والباطل.
" قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع الى حين". وقال:" فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون" لقد انتهت التجربة الاولى لآدم وزوجه والشيطان في السماء وابتدأت على هذا الكوكب الذي خلق منه الانسان وابتدا الصراع مرة اخرى بين المخلوق الجديد الذي استعد لعدوه بعد تعرفه على خصائصه ونقاط ضعفه واستعد ايضا عدوه له للبحث عن نقاط ضعف جديدة وليدليه في البئر تارة اخرى وان لم يكن هو فالخطة قابلة للتطبيق على نسله.
ولن ينتصر هذا الانسان ابدا على هذا العدو الغريب في طباعه وشره الا اذا تمسك بالذي هو اقوى منه وهو الحق تعالى.
ولقد وضع الله تعالى المنهج الكامل لمجابهة هذا العدو وهو القرآن الكريم والسنة المطهرة فمن تمسك بهما واتبع هداهما فقد انتصر ونجا من جهنم ومن ابتعد عنه فليكونن من الخاسرين" فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون والذين كفروا وكذبوا بآياتنا اولئك اصحاب النار هم فيها خالدون".
الفصل الثاني
التحذير
1- العبودية
2- ينزع عنهما لباسهما
3- الولاء
4- اتباع الشيطان
5- لا يصدنكم
6- دعوة الى السعير
التحذير
العدل اسم من اسماء الله تعالى فبما يقتضيه هذا الاسم ان الخالق عز وجل ارسل الرسل وانزل الكتب ليحذر الناس من عدوهم الاول ابليس وحتى تكون الرسل والكتب حجة على الناس يوم القيامة فان الله لا يعذب حتى يرسل الرسل ليبلغوا رسالة ربهم " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" ومن اهم ما حذرهم منه. عبادة الشيطان واتخاذه وليا من دونه. وذلك لان المعاصي كلها تنبع من عبادة الشيطان فاذا ازيلت هذه العبودية من قلب انسان صار قلبه متفتحا لعبادة الله وحده.
واكثر التحذيرات بالقران ان لم تكن جميعها مشتقة من
" التحذير من عبادة الشيطان" كالتحذير من العري ومن موالاة الشيطان ومن اتباعه ومن صد الشيطان ويتبين ذلك عندما نعرف معنى العبودية.
العبودية
والعبودية لله اي الخضوع له والطاعة " يقال يدين لله اي يعبد الله ويطيعه ويخضع له فدين الله: عبادتهوطاعته والخضوع له. والعبادة اصل معناها الذل ايضا: يقال طريق معبد اذا كان مذللا قد وطئته الاقدام"
واول من تلقى التحذير من البشر آدم عليه السلام ذلك عندما نهاه الله هو وزوجه عن الاكل من تلك الشجرة وحينما اخبره الله بان الشيطان لهما عدو مبين
" ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين "
" ألم أنهكما عن تلكما الشجرة واقل لكما ان الشيطان لكما عدو مبين"
وآدم ايضا هو اول من عبد الله من البشر وذلك عندما ندم على معصيته وتلقى من الله كلمات توبته" وتاب بقيله اياها وعمله بها الى الله من خطيئته معترفا بذنبه متنصلا الى ربه من خطيئته نادما على ما سلف منه من خلاف امر ربه فتاب الله عليه بقبوله الكلمات التي تلقا منه وندمه على سالف الذنب منه والذي يدل عليه كتاب الله ان الكلمات التي تلقاها آدم من ربه الكلمات التي اخبر الله بها عنه انه قالها متنصلا بقيلها الى ربه معترفا بذنبه وهو قوله: " ربنا ظلمنا انفسنا وان لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين" وقد صد الله تعالى ابناء آدم عن عبادة الشيطان ودعاهم لعبادته فقال:
" ألم اعهد اليكم يا بني آدم الا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين. وان اعبدوني هذا صراط مستقيم ولقد اضل منكم جبلا كثيرا افلم تكونوا تعقلون"
ومن الايات يتضح قوله تعالى " الاتعبدوا الشيطان"
أي لا تطيعوه ولا تذلوا له فانه لكم عدو مبين والانسان متى تخلى عن عبادة الله وابتعد عنها فلا بد ان هناك نفحات من الكبر دفعته لذلك وكذلك فانه لا بد انه قد اختار ما يعبد سوى الله ويبتعد عن كل صنم او عبد او شهوة وبذلك يكون قد اشرك بالله. ورحم الله شيخ الاسلام ابن تيمية الذي تربى على هذه المعاني وغمس قلبه فيها فقام ينادي بها لا يخاف في الله لومة لائم ولا غضب سلطان لقد عذب عذابا شديدا بسببها ومات وقلبه عامر بها ومما قاله في ذلك المعنى " فمن لم يكن الله معبوده ومنتهى حبه وارادته بل استكبر عن ذلك فلا بد ان يكون له مراد محبوب يستعبده ويستذله غير الله فيكون عبدا ذليلا لذلك المراد المحبوب: اما المال واما الجاه واما الصور واما ما يتخذه الها من دون الله كالشمس والقمر والكواكب والاوثان وقبور الانبياء والصالحين والملائكة والاولياء الذين يتخذهم اربابا وغير ذلك مما عبد من دون الله "
وهؤلاء الذين اتخذوا آلهة من دون الله يعبدونها كأنهم كبلوا انفسهم وأذلوها ومنعوها الحرية ظانين انهم كلما ابتعدوا عن منهج الله فانهم يبتعدون عن قيود الدين وبذلك يكونوا قد اخذوا الحرية كاملة وما دروا انهم وقعوا اسرى في عبودية الشيطان.
وما اجمل ما قاله شيخ الاسلام في تعريفه لمعنى الحرية
" الحرية حرية القلب والعبودية عبودية القلب كما ان الغنى غنى النفس . قال النبي صلى الله عليه وسلم:
" ليس الغنى في كثرة العرض وانما الغنى غنى النفس"
وعندما يصل الانسان الى مرتبة قيادة النفس الى ما امر الله ومعاندتها فيما ترغب مما نهى الله عنه يكون هو سيد نفسه وحق العبد على العبد ان يطيع سيده ويكون هو المعنى الصحيح للحرية الذي ادركه شيخ الاسلام وقام يردده عندما امر بسجنه بقلعة دمشق ملقنا الاعداء دروسا بمعنى الحرية الصحيحة قائلا: ما يصنع اعدائي بي ان جنتي وبستاني في صدري اين رحت فهي معي لا تفارقني وان حبسي خلوة وقتلي شهادة واخراجي من بلدي سياحة" ولم ينس الشيخ ان يعلم هذه المعاني لأتباعه الذين سجنوا معه في القلعة فربما تسرب الخوف الى بعضهم كما ذكر الامام ابن القيم الذي كان احدهم قال "وكنا اذا اشتد بنا الخوف وساءت بنا الظنون وضاقت بنا الارض أتيناه فما هو الا ان نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله فينقلب انشراحا وقوة ويقينا وطمأنينة"
وكان مما يقوله لهم ايضا:" المحبوس من حبس قلبه عن ربه والماسور من اسره هواه".
ورغم البعد الزمني الذي بين شيخ الاسلام ابن تيمية وصاحب الظلال سيد قطب الا ان تعريفهما للحرية جاء متشابها عندما جاشت المشاعر في قلب سيد وهو في السجن مع اخوانه الذين ربما ظن احدهم انه مقيد عن الحرية فاراد ان يعرفه معنى الحرية فانشد يقول مخاطبا له:
اخي انت حر وراء السدود اخي انت حر بتلك القيود
اذا كنت بالله مستعصما فماذا يضيرك كيد العبيد
وكانما اراد " سيد" ان يعلم اخاه بان السدود والقيود لا تمنع الحرية اذا كان القلب حرا فيما يختار.
نعم يا اخي انت حر حتى ولو كنت وراء قضبان السجون.
نعم يا اخي انت حر حتى ولو طوقت معصميك القيود.
ولتقيد معصميك وقدميك ولكن تبقى مع ذلك حرا لانهم لم يستطيعوا تقييد قلبك فدعهم فماذا يضيرك كيد العبيد؟
" وشرط العبودية الحب ثم الخضوع والطاعة والذل لمن احب فاذا اكتملت هذه الشروط في شخص ما تجاه شىء ما يسمى عابدا لذلك الشىء" وكلما زاد القلب حبا لشىء ما فلا بد ان ياتي الشرط الآخر كنتيجة طبيعية للشرط الاول ذلك لان من يحب فانه يطيع محبوبه فالذي يحب المعصية يكون عبدا لشهوته متى ما دعته لعمل تلك المعصية يطيعها مهما كانت الظروف - والذين اختاروا الشيطان مولى لهم يحذرهم الله من عبادته ويقول لهم
" ولقد اضل منكم جبلا كثيرا افلم تكونوا تعقلون"
لقد اتخذ من كانوا قبلكم الشيطان مولى لهم فاطاعوه واستكبروا عن عبادة الله فاخذهم الله بعذاب اليم فمنهم من خسف بهم الارض ومنهم من صعق ومنهم من ارسل عليهم حجارة من نار" افلم تكونوا تعقلون"
وها هو عدو الله سائرا في خطته لاضلال البشرية وتحويلهم من عبادة الله الى عبادته وعندما يتحول الانسان عبدا للمعصية فلا بد انه قد احبها وان احبها حشر معها وذلك ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما جاءه رجل يساله عن الساعة فقال له:
" وما اعددت للساعة" قال: حب الله ورسوله قال:
" فانك مع من احببت"
وكذلك ما ذكره بعض المفسرين في الاية الكريمة واذا النفوس زوجت" اجاب: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة وبين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار .
فذلك جاء التحذير من الخالق جل وعلا من عبادة الشيطان لانه من عبد الشيطان حشر معه فبئس القرين.
ومن اخطر آثار عبادة الشيطان ذهاب الحياء وخطورة هذا الاثر تكمن في ان" الحياء هو الحائل بين الاقدام على المعصية والامساك عنها وانه كالسد اذا تحطم انهمر
الماء يغرق كل شىء فالذي لا حياء له لا سد عنده"
فهذا لا يمنعه مانع من الاقدام على المعصية ليفعلها ولا يرى بها باسا وذلك ما روى في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال:"مما ادرك الناس من كلام النبوة الاولى اذا لم تستح فاصنع ما شئت"
وعلى هذا مدار الاسلام وتوجيه ذلك ان المامور به الواجب والمندوب يستحي من تركه والمنهى عنه الحرام والمكروه يستحي من فعله واما المباح فالحياء من فعله جائز.
وعلى هذا فان الحياء الذي يكون حائلا دون الوقوع بالمعصية هو الحياء النابع من خشية الله لذلك كله عمد ابليس على تحطيم ذلك الحاجز الذي يمنع من الوقوع في المعصية ينزع اللباس الذي كان يواري آدم وزوجه ليريهما سوآتهما.
ينزع عنهما لباسهما
انها للمسة من لمسات الرحمة والحب لهذا المخلوق وشعور بالعطف عليه متمثلة في نداء الله للبشر جميعا ليس للمسلمين خاصة وهو يناديهم ويحذرهم من الوقوع في فتنة الشيطان" يا بني آدم لا يفتنكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ".
ولقد نجح عدو الله في تطبيق هذا المخطط نزع اللباس لتحطيم كل شىء اسمه حياء منذ العصور البالية الى عصرنا هذا فيما يرويه ابن كثير في عصر الجاهلية قبل الاسلام ان " العرب ما عدا قريشا لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها يتاولون في ذلك انهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم ومن اعاره احمسي ثوبا طاف فيه ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه فلا يتملكه احد...
ومن لم يجد ثوبا جديدا ولا اعاره احمسي ثوبا طاف عريانا... وربما كانت امرأة فتطوف عريانة فتجعل على فرجها شيئا ليستره بعض الستر... واكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل ... وكان هذا شيئا قد ابتدعوه من تلقاء انفسهم واتبعوا فيه آبائهم يستند الى امر من الله وشرع".
انها جاهلية محضة واستزلال من الشيطان محكم - هذا الذي يحذرنا الله منه فالخطة هي الخطة لم تتغير من بداية استزلال آدم وزوجه في الجنة الى الان ولقد حذرنا الله من هذه الفتنة لعلمه ان منها تنبع اكثر الجرائم .
ولا يخفى على كل منا ما ينتج عن العري الموجود على صفحات المجلات ودور الخيالة والشاشات الصغيرة وما يمارس علنا في دول اوروبا وبعض الدول الاسلامية من جرائم خطيرة وضياع تام في صحراء الضلال وكم من ضحية ذهبت وكم من امراض حدثت كلها بسبب هذا العري الذي يفتن ابليس به بني آدم ولا ينتهون والله يبين لهم بقوله" يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج ابويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما
وهم لا يسمعون .
ولولا ولاؤهم لابليس وطاعته فيما يامرهم به ما استطاع فتنهم ولكنه الولاء الذي اعماهم عن طريق الحق وهو قريب منهم لو حاولوا ان يحظوا فيه.
الولاء
الولاء لا يكون الا لله او للشيطان ولا يوجد ولاء ثالث بين الاثنين ومعنى الولاية ضد العداوة واصل الولاية المحبة والقرب واصل العداوة البغض والبعد وقد قيل ان الولي سمي وليا من نحو موالاته للطاعات او متابعته لها والاول اصح والولي القريب فيقال هذا يلي اي هذا يقرب منه فاولياء الله هم الذين يحبون الله ويحبهم ويقربون منه وهو يقرب منهم اكثر مما يقربون ولقد قال صلى الله عليه وسلم يقول الله انا عند ظن عبدي بي وانا معه اذا ذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم وان تقرب الي شبرا تقربت اليه ذراعا وان تقرب الي ذراعا تقربت اليه باعا وان اتاني يمشي اتيته هرولة والاتقياء لا يوالون الا الله وكل ما خلا الله فهو في حسابهم من معسكر الباطل حتى دعا ذلك الفهم الرسول صلى الله عليه وسلم ان يقول:
" اصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: الا كل شىء ما خلا الله باطل" فهم على هذا الفهم لا يوالون الكفار ايا كانوا حتى ولو كانوا من اقرب الناس اليهم رحما وهؤلاء وصفهم الله بقوله:" لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم او ابناءهم او اخوانهم او عشيرتهم اولئك كتب في قلوبهم الايمان وايدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون.
وهذا امين الامة ابو عبيدة بن الجراح يقتل اباه في معركة بدر وهذا الصديق يهم بقتل ولده...وهنا يبرز سؤال أو يكره الابن أباه والأب ابنه؟ لا لا يكرهه لذاته انما يكره الباطل الذي يتبعه وما دام الله هو وليه فهو لا يحب الا من والى الله واما غيره فليس له في قلبه شىء من المودة ذلك لانه باطل.
ومن اجل هذا الولاء الذي عقده المؤمنون مع ربهم كانت المكافأة نفيسةأما في الدنيا فان الله .
" يدافع عن الذين آمنوا " بل ينزل جنوده لتقاتل معهم ويحارب كل من يعاديهم وذلك ما ذكره صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب الي عبدي بمثل اداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب الي بالنوافل حتى احبه فاذا احببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها" فليس يحارب من يعاديهم فحسب بل يكون معهم بكل شىء حتى لا يسمعون ولا يبصرون ولا يبطشون ولا يسعون الا كما يحب لهم ربهم ويرضى. اما في الاخرة فانه يجزيهم بسلعة الله الغالية الا وهي الجنة.
وصنف آخر من الناس يذكرهم الله بعدوهم الاول قائلا:
" واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا الا ابليس كان من الجن ففسق عن امر ربه ثم يحذرهم عن موالاته وينكر عليهم اتباعه فيقول: " أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا" هذا الصنف من الناس يحبونه وهو يبغضهم ويتقربون اليه بقلوبهم وبأعمالهم وهو يكيد لهم المكائد ويوقعهم بالمصائب تماما كما قال الشاعر:
ومن البلية من تحب ولا يحبك من تحبه
ويصد عنك بوجهه وتلح انت فلا تغبه
حقا انه لبلاء ان تحب وتتقرب وتفني حياتك كلها ليلك ونهارك في سبيله وهو لا يحبك.
وحتى تكون على بينة من الامر بالحب الذي ينجي من عذاب الله والحب الذي يوجب غضب الله نتعرض لما ذكره الامام ابن القيم قال:" وههنا اربعة انواع من الحب يجب التفريق بينها وانما ضل من ضل بعدم التمييز بينها.
احدها - محبة الله ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه والفوز بثوابه فان المشركين وعباد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.
الثاني - محبة ما يحب الله وهذه هي التي تدخله في الاسلام وتخرجه من الكفر واحب الناس الى الله اقومهم بهذه المحبة واشدهم فيها.
الثالث - الحب لله وفيه وهي من لوازم محبة ما يحب الله ولا يستقيم عن محبة ما يحب الله الا بالحب فيه وله.
الرابع - المحبة مع الله وهي المحبة الشركية وكل من احب شيئا مع الله لا لله ولا من اجله ولا فيه فقد اتخذ ندا من دون الله وهذه محبة المشركين.
وبقي قسم خامس ليس نحن فيه وهي المحبة الطبيعية وهي ميل الانسان الى ما يلائم طبعه كمحبة العطشان للماء والجائع للطعام ومحبة النوم والزوجة والولد فتلك لا تذم الا ان الهت عن ذكر الله وشغلته عن محبته فمن اتخذ الشيطان وذريته اولياء من دون الله وما يحب الله فقد حق عليه غضب الله وكان كاذبا بادعائه محبة الله فالمحب لله كما ذكر الامام يحب ما يحب الله ويبغض ما يبغض الله ويحب لله ويبغض لله فاذا ما استبدل فيستبدل لله لا لهوى او شهوة كما يفعل اولئك الصنف من الناس " بئس للظالمين بدلا".
هذا الصنف من الناس لا يستبدلون الا عندما يصدون عن سبيل الله وهذه هي سنة الله في خلقه فئة يصدون عن الحق وفئة يتبعونه وكلما غفل اهل الحق ووسوس لهم الشيطان ليصدهم عن طريقهم تذكروا تحذير الله لهم وعادوا مرة اخرى سائرين في طريقهم ليقتلعوا الاشواك التي تعترضهم فيه... وماذا يكون بعد الولاء الا الاتباع لعدو الله لا لشىء سوى الفوز بالدنيا وزينتها وما دروا ان مثل الحياة الدنيا" كمثل غيث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور "
عذاب شديد للذين اتبعوا خطوات الشيطان ومغفرة من الله ورضوان للذين اتبعوا طريق الحق .
" اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون".
اتباع الشيطان
وفي هذه المرة ياتي النداء السماوي لفئة خاصة هي احب الفئات الى الله اولئك هم المؤمنون مناديا لهم.
" يا ايها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يامر بالفحشاء والمنكر".
وهذا النداء حري بالمؤمنين ان تتفتح له قلوبهم ومسامعهم ليفقهوه لانه انبعث من خالقهم الذي يحبهم ونداء التحذير هذا يكون له وقعه في اذن السامع عندما ياتي من المحب وهنا يصدق قول الشاعر:
تعصي الاله وانت تبدي حبه
هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لاطعنه
ان المحب لمن يحب مطيع
وعلى المؤمن ان يرفع قدمه بسرعة ويحولها الى طريق النور عندما يكتشف ان الخطوة التي امامه هي خطوة من خطوات الشيطان ويلبس ابليس على المؤمن ان يكون صاحب فطنة وعلم ليفرق بين خطوات الشيطان وخطوات الرحمن فاتباع الشيطان يشتمل على عدة اقسام بينها الله تعالى في كتابه اهمها.
( أ ) اتباع الهوى:
قال الله تعالى:" ومن اضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله"
وسببه وسخ يكون في القلب لما فيه من طمع وحسد وانتصار للنفس يحجب الرؤية او يشوشها كالذي ينظر من وراء زجاجة سوداء ويتولد عن الهوى مرض اخطر منه الا وهو الاعراض عن الحق فصاحب الهوى لا يستسلم للحق عندما يعرض عليه ويرده بسبب ذلك الوسخ الذي عكر قلبه لذلك كان هم كل المربين على مر العصور انيحذروا اتباعهم من الهوى.
فكان علي رضي الله عنه يدرك خطورة هذا المرض مما جعله يقول : " ان أخوف ما اخاف عليكم اثنين : طول الامل واتباع الهوى فاما طول الامل فينسي الاخرة واما اتباع الهوى فيصد عن الحق".
( ب ) اتباع سبيل المفسدين:
قال الله تعالى على لسان نبيه موسى موصيا اخاه هارون ولا تتبع سبيل المفسدين"يقول ولا تسلك طريق الذين يفسدون في الارض بمعصيتهم ربهم ومعونتهم اهل المعاصي على عصيانهم ربهم ولكن اسلك سبيل المطيعين ربهم".
) ج ) اتباع الشهوات:
قال الله تعالى: " ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله".
وكل سبيل غير سبيل القرآن والسنة الصحيحة فهو من السبل التي نهينا عن اتباعها قال الامام الطبري:" حدثنا الحمامي قال حدثنا حمام عن عاصم عن ابي وائل عن عبد الله قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما خطا فقال: هذا سبيل الله . ثم خط عن يمين ذلك الخط وعن شماله خطوطا فقال : هذه سبل على كل سبيل منها شيطان يدعو اليها ثم قرأ الاية " وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله
( ه ) اتباع الظن:
قال الله تعالى:" ان تتبعون الا الظن وان انتم الا تخرصون".
" يقول له : قل لهم: ان تقولون ما تقولون ايها المشركون وتعبدون من الاوثان والاصنام ما تعبدون وتحرمون من الحرث والانعام ما تحرمون الا ظنا وحسبانا انه حق وانكم على حق وهو باطل وانتم على باطل " وان انتم الا تخرصون" فلا يوجد مبدأ صحيح على الارض يعتمد على الظن.
( و ) اتباع الآباء:
قال الله تعالى: " واذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا". فهذا هو سندهم الوحيد وهذا هو دليلهم العجيب التقليد الجامد المتحجر الذي لا يقوم على علم ولا يعتمد على تفكير . التقليد الذي يريد الاسلام ان يحررهم منه وان يطلق عقولهم لتتدبر ويشيع فيها اليقظة والحركة والنور فيأبوا هم الانطلاق من اثار الماضي المنحرف ويتمسكوا بالاغلال والقيود".
ولقد وجدنا في عصرنا هذا فئة من الناس يتبعون آباءهم في كل شىء. وكل شىء يعارض ما جاء فيه آباؤهم يعتبرونه خطأ وقد خضت مع مع احد هؤلاء حديثا طويلا فلم استطع ان اقنعه بشىء...
والمسلم لا يصح له ان يتبع انسانا مثله لان الانسان خطاء وذو نفسية متقلبة فنجده اليوم على راي وغدا على راي اخر لذلك بين الله تعالى موقف هؤلاء بهذه الاية" أولو كان الشيطان يدعوهم الى عذاب السعير".
( ز ) اتباع المتشابه:
قال الله تعالى:" هو الذي انزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله".
ان المحكم هو الواضح المعنى الظاهر الدلالة اما باعتبار نفسه او باعتبار غيره والمتشابه ما لا يتضح معناه او لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره" فأما الذين في قلوبهم زيغ" الزيغ: الميل" فيتبعون ما تشابه منه" أي يتعلقون بالمتشابه من الكتاب فيشككون به على المؤمنين ويجعلونه دليلا على ما هم فيه من البدعة المائلة عن الحق كما تجده في كل طائفة من طوائف البدعة فانهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعبا شديدا ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شىء
" ابتغاء الفتنة" اي طلبا منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبيس عليهم وافساد ذات بينهم" وابتغاء تأويله "
اي طلبا لتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة".
فكل هذه الانواع من الاتباع هي اتباع لخطوات الشيطان التي نهانا الله عن اتباعها والضمان الوحيد لسلوك طريق الحق والابتعاد عن خطوات الشيطان هو الاستسلام الخالص لله الاستسلام له بكل ما تحوي هذه الكلمة من معان لذلك قال الله لهم مناديا من جديد:" يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين". وهذا النوع من الاستسلام يجعله لا يخاف الا في الله ولا يتلقى الا من الله ولا يتبع الا القرآن والسنة المطهرة فتكون خطواته كلها محكمة بعيدة عن خطوات الشيطان وطريقه وان المؤمن ليصل الى درجة ان الشيطان نفسه يقوم يخطو بعيدا عن خطواته هاربا منها. وذلك بعد ان يصل المؤمن الى درجة الاستسلام الكامل للواحد الديان والمثال على ذلك ما رواه الامام مسلم في صحيحه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمر رضي الله عنه " والذي نفسي بيدهما لقيك الشيطان قط سالكا فجا الا سلك فجا غير فجك".
لا يصدنكم
ان عدو الله دائما يسعى للوسوسة في قلوب المؤمنين يغريهم بملاذ الدنيا وزينتها ويحثهم على طاعة انفسهم واتباع اهوائهم ويعظم في نفوسهم قوة الباطل وحجمه وقلة اهل الحق وانحسار سلطانهم كل ذلك ليصدهم عن الحق ويجعلهم تابعين للباطل.
وانه ليستخدم كل ما يملك من قوة ليصد الدعاة في سبيل الله عن طريقهم الذي التزموه يسكب عليهم كل وساوسه ليفتنهم حتى لتصل وساوسه الى درجة ان المسلم يفضل ان تنطبق عليه السماء او تبتلعه الارض ولا يتفوه بكلمة من هذه الوساوس وعن ابي هريرة قال: جاء ناس من اصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسالوه اننا نجد في انفسنا ما يتعاظم احدنا ان يتكلم به قال وقد وجدتموه ؟ قالوا نعم قال ذاك صريح الايمان
ولكن الله يذكرهم بعدوهم الاول ويحذرهم من الاستسلام لوساوسه لكي لا يصدوا عن سبيل الله ولا يصدنكم الشيطان انه لكم عدو مبين اي لا تغتروا بوساوسه وشبهه التي يوقعها في قلوبكم فيمنعكم ذلك من اتباعه. ثم علل نهيهم عن ان يصدهم الشيطان ببيان عداوته لهم فقال انه لكم عدو مبين"
ولئن استسلموا واغتروا بوساوسه سيكونون مع الراحلين الى السعير...
دعوة الى السعير
ان الذين علموا ان الشيطان لهم عدو فاتخذوه عدوا موقنون حق اليقين بانه يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير اما اولئك الذين غلبتهم اهواءهم وغشى الباطل قلوبهم وحسبوا ان الشيطان حبيب لهم فاتبعوه وبدأوا يفتخرون ما بين آونة وأخرى باتباعه في كل شىء في السياسة والاقتصاد والاجتماع يجىء تحذير الخالق جل وعلا لهم ليذكرهم ان الشيطان ما زال مسددا سهامه اليهم وما زال يحدد موقع المقتل في اجسادهم وما زال ينتظر المصابين بسهامه ان يقعوا في الهوة الساحقة بعد ان ترنحهم من اثر الضربات قائلا لهم:" ان الشيطان لكم عدوا فاتخذوه عدوا". فلا يكفي العلم بانه عدو فحسب بل عليهم ان يتخذوه عدوا... عليكم ان لا تركنوا اليه ولا تتخذوه ناصحا لكم ولا تتبعوا خطاه فالعدو لا يتبع خطى عدوه وهو يعقل وهو لا يدعوكم الى خير ولا ينتهي بكم الى نجاة انما يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير انها لمسة وجدانية صادقة حين يستحضر الانسان صورة المعركة الخالدة بينه وبين عدوه الشيطان يتحفز لدفع الغواية والاعراء ويتيقظ لمداخل الشيطان الى نفسه ويتوجس من كل هاجسة ويسرع ليعرضها على ميزان الله العادل الذي اقامه له ليتبين له الحق فلعلها خدعة مستترة من عدوه القديم"
وفي الآية كذلك دعوة من الله لاصحاب الحق بالمفاصلة فاتخذوه عدوا وتحذير من الحق جل وعلا في نفس الوقت من ان يتخذ اصحاب الحق عدوهم وحزبه اولياء او يتنازلوا بعض الشىء عن مبادئهم... كلا والف كلا انهم اعداء فاتخذوه عدوا.
وهنا يتذكر اصحاب الحق ان الله وعدهم جنات تجري من تحتها الانهار والشيطان يدعو حزبه ليكونوا من اصحاب السعير... فلا يغرنكم كثرتهم انهم الى السعير سائرون...
ان حياتهم على هذا الكوكب هي راحلة الى السعير.
الفصل الثالث
صفاته
1- الضعف
2- الكذب والجبن
3- من وحي الباطل
4- انه يراكم
5- المبذرون
الضعف
ان السر في انتصار المسلمين في الصدر الاول من الاسلام وانتشارهم هذا الانتشار مع قلة عددهم في معظم المعارك التي خاضوها مع خصومهم والسر كذلك في نجاح الدعوات الاسلامية الصادقة وتفاني اهلها في سبيلها وتقديم اعناقهم واموالهم واوقاتهم رخيصة في سبيل الله السر في ذلك هو عقيدة المؤمن الصادق الذي يؤمن بانه يخوض معركته مع الباطل مستمدا قوته من الله الذي خلق كل شىء بينما يستمد اولياء الباطل قوتهم من قائد ضعيف.
وان المؤمن ليكفيه ان يتذكر قول الله تعالى:
" فقاتلوا اولياء الشيطان ان كيد الشيطان كان ضعيفاحتى ينقض انقضاض الطائر الجارح على الباطل فيقطعه اربا اربا.
ان الباطل في عقيدة المؤمن الصادق كفقاعة كبيرة منتفخة ومتلونة باجمل الالوان المتمازجة ولكن جدارها رقيق وباطنها خواء مما يجعله يقدم على الباطل لا يهاب انتفاخه ولا الوانه الجميلة يقدم عليه متوكلا على الله مولاه مبتغيا ثقب تلك الفقاعة ليذوب ذلك الباطل الضعيف
الكذب والجبن
والكذب من ابرز صفات ابليس اذ انه يستخدمه لتسهيل تنفيذ مخططه. وهو اول وسيلة استخدمها مع آدم ويستخدمها مع بني آدم في كل زمان ومكان فمخططه لا ينجح الا بذلك وما يعدهم الشيطان الا غرورا"
وحتى اتباعه لا ينجحون الا بذلك ولو انهم كشفوا للناس عن حقيقته نواياهم الخبيثة لولى الناس عنهم فلا بد من رفع الرايات الكاذبة ليجذبوا الناس اليهم فيرفعون رايات الحرية والمساواة والاخاء ولا شىء من ذلك في عالم الواقع.
ولقد ظهرت هذه الصفة بصورة عملية في معركة بدر عندما عزم الكفار على محاربة المسلمين " فتبدى لهم ابليس في صورة سراقة بن مالك المدلجي وكان من اشراف كنانة فقال لهم:ط لا غالب لكم اليوم من الناس واني جار لكم" من ان تأتيكم كنانة بشىء تكرهونه فخرجوا والشيطان جار لهم لا يفارقهم فلما بعثوا للقتال وراى عدو الله جند الله قد نزلت من السماء فر ونكص على عقبيه فقالوا : الى اين يا سراقة الم تكن ققلت انك جار لنا لا تفارقنا فقال :" اني ارى ما لا ترون اني اخاف الله والله شديد العقاب وصدق في قوله اني ارى ما لا ترون وكذب في قوله اني اخاف الله"
لقد القى في نفوسهم ان لا غالب لكم اليوم من الناس واوحى اليهم انهم هم الاقوياء وخدعهم بكثرتهم وقام يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا... ومع ذلك كله خسروا المعركة وذلك لان وحيهم كان من وحي الباطل.
من وحي الباطل
ان من سنن الله ان قيض لهذا الحق اعداء وليس عدوا واحدا اعداء من صنفين مختلفين من الخلق من الانس والجن وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن
والشيطان كلمة تطلق على كل من استشرى شره وقام يدعو للشر سواء كان من الجن او الانس والكثير لا يعرف هذه الحقيقة فهو يحترس من شياطين الجن ولا يحترس من شياطين الانس وكيف يستطيع تمييزه وهو انسان مثله يشرب كما يشرب وياكل كما ياكل وينام كما ينام ولهما نفس الاعضاء.
من هنا تكمن الخطورة في خطة عدو الله لقد رسم الخطة ووحد الهدف فجميع الشياطين هدفهم واحد وغايتهم واحدة سواء كانوا من الجن او الانس وهي قيادة الانس والجن الى جهنم او بمعنى اوضح انارة طريق الهلاك لمتبعيهم ويمتازون بصفات كثيرة تؤهلهم لتحقيق هدفهم منها ايحاء بعضهم لبعض زخرف القول يوحي بعضهم الى بعض زخرف القول غرورا"
يمد بعضهم بعضا بوسائل الخداع والغواية وفي الوقت ذاته يغوي بعضهم بعضا وهي ظاهرة ملحوظة في كل تجمع للشر في حرب الحق واهله... ان الشياطين يتعاونون فيما بينهم ويعين بعضهم بعضا على الضلال ايضا انهم لا يهدون بعضهم بعضا الى الحق ابدا ولكن يزين بعضهم لبعض عداء الحق وحربه والمضي في المعركة معه طويلا
فكانه تواص بينهم على الضلال وكانما يضل بعضهم بعضا ويلقون ببعضهم بالنار ولا يشعرون... واني لاكاد ارى هذا المنظر ماثلا امام عيني في كل مجلس باطل به شياطين الانس .
انه يراكم
لقد أكسب الله ابليس صفة الرؤية لبني آدم من غير ان يروه وهي بلا شك صفة خطيرة حيث ان صاحب هذه الصفة يملك ان يراقب الآخرين ويرصد حركاتهم وهم لا يرونه فبهذا يكون متحكما فيهم اشد تحكما يرفع سلاحه ويسدد بأناة ثم يضرب خصمه ويقتله بسهولة ويسر فلو كان يراه لهب يدافع عن نفسه ولكن أنى له ذلك وهو لا يراه.
وتبقى هذه الصفة خطيرة على بني آدم الا من استعصم بقوة اقوى من مالك هذه الصفة فانه من دون شك سيعصمه من ابليس وقبيله بل يقذف في قلبه الاحساس برؤية ابليس ليأخذ حذره منه " انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم انا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون".
ولا يقدر عدو الله ان يرقب ويقتل الا اولئك المبذرين بالباطل المسرفين فيه أما أولئك الذين ألبسوا أنفسهم ثياب الحق وعاهدوا الله على أن لا ينزعوها فأولئك في حمى الله ذلك لأنهم حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون.
المبذرون
لربما يتبادر الى اذهان البعض لأول وهلة عند سماعهم لكلمة التبذير انها تعني" كل مادة تنفق فوق الحد المعقول" ولكن يبقى هذا التصور عائما متقطعا غير متماسك مالم يحدد بحدود ويضبط بضوابط فليس كل مادة تنفق فوق الحد المعقول تعتبر من التبذير اما الانفاق نوعان: انفاق للحق وانفاق للباطل . وبهذا الصدد قال مجاهد:" لو انفق انسان ماله كله في الحق لم يكن مبذرا ولو انفق مدا في غير حق كان مبذرا".
ولنرجع الى الرعيل الاول قليلا فنرى اعلم الناس بكتاب الله بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال:
" لقد علم اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اني اعلمهم بكتاب الله ولو اعلم ان احدا اعلم مني لرحلت اليه
وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نزلت الآية " ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا اذا ما اتقوا وآمنوا " الى آخر الآية "
قيل لي انت منهم" هذا الصحابي الجليل هو عبد الله بن مسعود الذي عندما عرف التبذير جاء تعريفه شاملا دقيقا عندما قال فيه انه " ما انفق بغير حق" بلي كل شيء انفق بغير حق من مال ووقت وكلام فهو من التبذير وهذه صفة من صفات الشيطان وزمرته انهم ينفقون دون ملل ولكنها نفقات باطلة فمنهم من يتلذذ بهذا العطاء الباطل فتراه يحدث الناس بالباطل حتى يسرف فيه ويرمي اصحاب الحق بما ليس فيهم حتى انه يكون سببا في تجنب الكثير من الالتحاق بعصبة الحق خوفا مما حيك حولهم . وكيف يعيش هؤلاء وقد اصبحوا اخوة للشيطان
" ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا" ترى ما النهاية التي تنتظر ذلك الانسان الذي يحمل بين يديه برميلا من الزيت لا يريد ان يلقيه وهو يعلم ان الطريق الذي يسير فيه موصل الى نار؟؟؟
نعم يكون اخا للشيطان كل من انفق من ماله ووقته وكلامه بغير الحق وهو من اخطر الامراض التي تصيب الدعاة فنرى بعضهم ينفقون اوقاتا كثيرة ساعات تلو الساعات على الموائد يناقشون بها مواضيع تبدو في ظاهرها انها حق وما هي الا ضرب من اللغو الذي لا يبنى عليه عمل كأن يتناقشوا في الفتنة التي حدثت بين الصحابة او في تأويل بعض الآيات والاحاديث اكثر مما تحتمل او في خلافات فقهية حول احكام لم تقع او في التنقيب عن اخطاء بعض المفكرين الاسلاميين لا من اجل دراسة الاخطاء والابتعاد عنها ولكن للتجريح فقط والتشهير.
ذلك ما انتبه اليه الشيخ حسن البنا وعلم ان من بين صفوف الدعاة من يتخذ ذلك النوع من الكلام هواية له فقال:" وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا ومن ذلك كثرة التفريعات للاحكام التي لم تقع والخوض في معاني الآيات الكريمة التي لم يصل اليها العلم بعد والكلام في المفاضلة بين الاصحاب رضوان الله عليهم وما شجر بينهم من خلاف ولكل منهم فضل صحبته وجزاء نيته وفي التأول مندوحه.
وصنف آخر ينفق ذلك الوقت بتناول مواضيع لا خير فيها ولا نفع.
وعلى هذا يتبين ان التبذير ينقسم الى ثلاثة اقسام.
اولا - تبذير المال:
قال الله تعالى:" ولا تبذر تبذيرا"
" قال الشافعي رضي الله عنه: والتبذير انفاق المال في غير حقه ولا تبذير في عمل الخير وهذا قول الجمهور.
وقال اشهب عن مالك: التبذير هو اخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه وهو الاسراف وهو حرام لقوله تعالى: " ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين"
وقوله اخوان يعني انهم في حكمهم اذ المبذر ساع في افساد كالشياطين او انهم يفعلون ما تسول لهم انفسهم او انهم يقرنون لهم غدا في النار"
ثانيا - تبذير الصحة:
وذلك في قول الرسول صلى الله عليه وسلم :
" نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ"فنجد كثيرا من الناس اعطاه الله الصحة الكاملة وابعد عنه الاسقام ولكنه ينفق هذه الصحة التي اعطاها الله اليه في معصية خالقه كأن يستخدم رجليه في الخطو الى اماكن المعصية ويديه في مسك ورفع ما حرم الله والبطش بالناس وعينه في النظر الى ما حرم الله واذا مرض تندم وقام يتمنى ان لو عمل صالحا في صحته.
ثالثا - تبذير الوقت:
وذلك واضح ايضا في الحديث السابق ذكره - فان هذا المرض لم يقتصر على العامة فقط ولكنه تسرب الى مجتمع الدعاة انفسهم. يقول الامام ابن الجوزي:
قد يكون الانسان صحيحا ولا يكون متفرغا لشغله بالمعاش وقد يكون مستغنيا ولا يكون صحيحا فاذا اجتمعا فغلب عليه الكسل عن الطاعة فهو المغبون وتمام ذلك ان الدنيا مزرعة الآخرة وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله فهو المغبوط ومن استعملها في معصية الله فهو المغبون لان الفراغ يعقبه الشغل والصحة يعقبها السقم.
الفصل الرابع
أعماله
1- الطعن.
2- الخمر والميسر والانصاب والازلام
3- بول الشيطان
4- ضحك الشيطان
5- الادبار
6- اتباع الغاوين
7- السرقة
8- الانتشار في بداية الليل
الطعن
والطعن هو اول عمل يقوم به ابليس للانسان عند اول خروج له الى هذه الدنيا اعلاما منه لبداية المعركة مع هذا المولود الجديد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
" كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه باصبعيه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب يقول القرطبي:" هذا الطعن من الشيطان هو ابتداء التسليط فحفظ الله مريم وابنها منه ببركة دعوة امها حيث قالت:" اني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم"
وكل مولود يولد على الفطرة وانما الذي يهوده او ينصره او يمجسه هما ابواه ومما لا شك فيه بان الهداية بيد الله ولكن الوالدين هما سببان كبيران لسلوك الطفل فان حلى لهما طعن الشيطان باعاه له بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا من الزاهدين ". واما ان عز عليهما ذلك الطعن فانهما يقولان كما قالت امرأة عمران عندما وضعت مريم" اني اعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم".
فينشأ ذلك الطفل بين ابوين صالحين متحررا من كل طعن من عدوه القديم مهما كان شكله صغيرا كان ام كبيرا.
الخمر والميسر والانصاب والازلام
والخمر احد معانيه في اللغة" يدل على الستر ومنه خمار المرأة لأنه يستر رأسها وسميت الخمر خمرا لأنها تستر العقل وتغطيه" فاذا ما ذهب عقل الانسان اصبح كالطين في يد الشيطان يشكله كيف شاء.
والميسر هو القمار وأحد اشتقاقاته" من اليسر لأن فيه أخذ المال بيسر وسهولة من غير كد ولا تعب" وهذا من اكبر الدواعي لايقاع الغضب والعداوة بين المقامرين...
والأنصاب هي الأوثان من الحجارة كانت تجمع في الموضع من الارض فكان المشركون يقربون لها القرابين قال ابن جريج النصب ليست بأصنام الصنم يصور وينقش وهذه حجارة تنصب فكانوا اذا ذبحوا نضحوا الدم على ما اقبل من البيت وشرحوا اللحم وجعلوه على الحجارة".
أما الأزلام فقد كان " أهل الجاهلية كان أحدهم اذا اراد سفرا او غزوا او نحو ذلك أجال القداح وهي الأزلام وكانت قداحا مكتوبا على بعضها ( نهاني ربي ) وعلى بعضها( امرني ربي ) فان خرج القدح الذي هو مكتوب عليه امرني ربي مضى لما اراد من سفر او غزو او تزويج وغير ذلك وان خرج الذي عليه مكتوب نهاني ربي كف عن المضي لذلك وأمسك"
وكل هذه الاعمال كما قال الله تعالى هي من اعمال الشيطان" انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون
" ويكفي ان يعلم المؤمن ان شيئا من عمل الشيطان لينفر منه حسه وتشمئز منه نفسه ويجفل منه كيانه ويبعد عنه من خوف ويقيه " يبعد عنه لا يماري ولا يجادل عندما يعلمه خالقه ان ذلك من عمل الشيطان تماما كما قال عمر رضي الله عنه عندما قرأت عليه الآية انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون فقال:
انتهينا انتهينا وهكذا يجب ان يكون كل داعية الى الله ينتهي ويبتعد عن كل عمل من اعمال الشيطان بمجرد سماعه للنهي.
وعندما يصل المؤمن لهذه السفوح يرفض ان يدخل الى اذنه غير الحق فيصيح مناديا اذنه:
ويا أذني ان دعاك الهوى فاياك اياك ان تسمعي
فهو ليس كهذا الذي ملأ الشيطان اذنه بالباطل فاصبح لا يسمع الحق.
بول الشيطان
" ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ان رجلا نام ليله حتى اصبح قال : ذاك رجل بال الشيطان في اذنيه او قال في اذنه"
قيل ان بول الشيطان ملأ سمعه بالأباطيل فحجب سمعه عن الذكر وقيل هو كناية عن سد الشيطان أذن الذي ينام عن الصلاة وقيل. وقيل معناه أن الشيطان استولى عليه واستخف به حتى اتخذه كالكنيف المعد للبول اذ من عادة المستخف بالشيء ان يبول عليه"
والنوم نعمة انعمها الله على عبده لكي يستعين بها على أداء الطاعات لا ليستعين بها على معصيته فيجعل الليل معاشا والنهار لباسا...
يا مطولا بالقيام مستلذا بالمنام
قم فقد فاتك يا مغبون ارباح الكرام
وخلوا دونك بالمولى وفازوا بالمرام
وكذا تسبقك القوم الى دار السلام
ومن المؤلم ان نرى بعض الدعاة يسهرون الليل للعمل للدعوة وينامون بسبب ذلك متأخرين فلا يستيقظون لصلاة الفجر من اثر التعب وكان اولى بهم ان يقدموا الفرض على النافلة ويعلموا ان احب شيء الى الله أداء الفرائض وانه لا تقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة.
ضحك الشيطان
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " التثاؤب من الشيطان فاذا تثاءب احدكم فليرده ما استطاع فان احدكم اذا قال ها ضحك الشيطان "ان المؤمن يرفض ان تكون له اي صلة مع الشيطان فيكون من البديهي ان يرفض ان يضحك عليه في كل امر حتى من التثاؤب.
ولئن نظرنا الى الجانب الآخر من الحديث نرى ان الامر لا يقتصر على شعور المؤمن ان الشيطان يضحك عليه
اذا ما تثاءب فحسب بل يحتمل شعورا آخر وهو ان الشيطان يسخر منه عند كل انحراف عن طريق الدعوة وبذلك يظل متحفزا من ان يقع له خطأ او انحراف ناظرا الى طريقه بدقة كي لا يحيد فيكون أضحوكة لذلك العدو.
الادبار
والباطل دائما في ادبار عن الحق منذ آدم عليه السلام الى الآن يكره احدهما الآخر لا يتهادنان ما دام الحق حقا
والباطل باطلا والحق دائما اصبر من الباطل يسمعه بكل ثقة ويرد عليه رد الموقن انه على حق اما الباطل فلا يملك هذه القوة ودائما يفضل الا يسمع الحق لانه يعلم يقينا انه اضعف من ان يصمد امام الحق وذلك متمثل في زعيم الباطل واتباعه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اذا نودي بالصلاة ادبر الشيطان وله ضراط فاذا قضى اقبل فاذا ثوب بها ادبر". واما اتباعه فهل هناك اكثر من ان يجعلون اصابعهم في آذانهم ويستغشون ثيابهم ويفرون كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة فهل هناك اكثر من ذلك.
كل هذا الادبار لئلا يسمعوا الحق وهناك فئة من الناس يهيء الله لهم كل اسباب الهداية ويؤتيهم الحق ويأبون الا الانسلاخ عن الحق والادبار عنه وما ان ينسلخ من الحق حتى يتبعه الشيطان في كل مكان حتى يجعله من الغاوين.
اتباع الغاوين
هذا الانسان الذي اعطاه الله الحق واضحا كاملا ولكنه اعطى للحق قفاه وفي كل لحظة من لحظات عمر هذا الانسان يبين الله له الحق ليهتدي به ولكنه يأبى الا اتباع الشيطان" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين". يبين له الحق في نفسه وفي الاخرين وفي الكائنات الحية وفي الكون ومع هذا الحشد من الحقائق التي تمر على هذا الانسان يابى الا الانسلاخ عن الحق واتباع الشيطان وبعضهم يتأثر عند سماعه للحق لدقائق او ايام او شهور ولكنه لا يلبث حتى يعود من حيث اتى كأن الحق ملابس تحك جسده العاري فينزعها ويرميها بعيدا ويلبس ثياب الباطل ليتعرف عليه زعيمه ابليس كي يستقبله بعد ذلك الانسلاخ حالا دون انتظار" فاتبعه" وضمه الى معسكر الضلال واكتسب هذا المعسكر عضوا جديدا بل وفودا جديدا لجهنم
وسار هذا العدو يستقبل الألوف من المنسلخين عن الحق- ويا لحسرة على هذا الانسان ويا لها من نهاية - الضلال بعد معرفة الحق وكأن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يندمج مع تلك الايات شارحا لها حين يقول
" فوالذي لا اله غيره ان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها"
السرقة
ومن أعماله السرقة قالت عائشة رضي الله عنها :
" سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التفات الرجل في الصلاة فقال:" هو اختلاس يختلس الشيطان من صلاة احدكم".
الانتشار في بداية الليل
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" اذا استجنح الليل او كان جنح الليل فكفوا صبيانكم فان الشياطين تنتشر حينئذ فاذا ذهب ساعة من العشاء فخلوهم".
الفصل الخامس
مداخله
1- الأمر بالسوء
2- نسيان الاستحواذ
3- النزعات
4- التخويف بالفقر
5- فلا تخافوهم
6- الأماني الكاذبة
7- الاستهواء
8- الايحاء بالمجادلة
9- تحريم ما أحل الله
10- عرس اليأس
11- الاستفزاز
12- المشاركة
13- تفكيك الاسرة
14- الغضب
15- الانهماك بالمزاح
16- النجوى
17- ظن السوء
18- الغيبة
19- تصيد العيوب
20- تزيين الشيطان الأصغر
21- تزيين الشيطان الأكبر
22- الوسوسة
23- وذلك أضعف الايمان
مداخله
ومداخل الشيطان كثيرة ومتعددة وبها يطبق خطته التي رسمها من قبل.
وهو يستخدم كل مدخل على حسب نوعية الانسان ومستواه الايماني وكذلك هو الحال بالنسبة للناس فعلى قدر قربهم من الله او بعدهم عنه يدركون تلك المداخل وذلك لأن الله هو الذي يعين الانسان لاكتشاف تلك المداخل فعندما يقرب العبد من الله تتضح له جليا تلك المداخل ويعينه الله على التغلب عليها اما عندما يبتعد عن الله فان الله يطمس على قلبه فلا يرى تلك المداخل ولا يشعر بها بل يحسب ان كل ما يقوم به عمل صالح
" واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون"والواقع يكذب ما يدعون " الا انهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون"
وهذا الفصل من أهم الفصول وهو لب البحث ومحوره.
فمن غير معرفة مداخل ابليس يصعب على الانسان مزاولة هذه الحرب التي عقدت بينه وبين عدوه ابليس ويصبح من العسير التحفز لخططه التي يريد بها اغواء البشر وتزيين الباطل لهم ليقعوا فيه...
الأمر بالسوء
ان أعمال الشيطان كلها ومداخله تندرج تحت الامر بالسوء لأنه لا يعرف الا الأمر بالسوء فأخبر عنه تعالى:
" انما يأمركم بالسوء والفحشاء وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ". لأن الأمر بالسوء هو الضمان الوحيد لتحقيق غاياته فمنطق الجاهلية يقول ان الغاية تبرر الوسيلة وقد يخدع البعض ويلبس بعض أوامره ثوب الحق ولكنه أبدا لا يريد الا السوء فلقد اخذ اذنا من الله وعهودا على نفسه بأن يؤذي بني آدم اشد الايذاء ويحاربهم بكل وسيلة ويقتحم دورهم في كل مكان ويستولي ويستنزل من بني آدم حظا معلوما فقال :
" لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ".يحيد بذلك النصيب المفروض عن الطريق السوي طريق الاستقلال من قيود الشهوة التي تخضع الانسان وتجعله ساجدا عابدا لها من دون الله ويأمرهم بالقيام بأعمال سخيفة كقطع آذان الأنعام حتى يصبح ركوبها وأكلها حراما دون أن يحرمها الله ويأمرهم بتغير خلق الله بقطع أجزاء من الجسم أو تشويهها ولئن كانت هذه الأوامر في عهد الجاهلية فان أوامره بهذا العهد ازدادت وتنوعت في أعياد مفتعلة وعادات غريبة وسياسة حمقاء وأكبر سوء يأمرهم به هو التحاكم الى الطاغوت وترك التحاكم الى الحق.
الحكم بالباطل هو التمسك بكل شيء من وضع البشر.
وأحكام سخيفة هشة وترك ما وضع الله لهذا الانسان من الحق .
" يريدون أن يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا".
علينا أن لا نتوقع أن عدو الله ابليس سوف يرفع راية الاستسلام انه عدو لا يمل الحرب ان حربه دائمة فاما ان ينتصر واما أن يهزم امام ايمان المؤمن.
انه عدو ذو غاية.وصاحب الغاية لا يفتر ابدا حتى يحققهاوالشيطان لا يأمر الا اولئك الذين استولى عليهم فأنساهم ذكر الله. أما أصحاب الحق فانه ينسيهم أحيانا ذكر الله ولكنه لا يستطيع أمرهم بشيء وحتى اذا ما أمرهم لا يلبون وذلك لأنهم يعودون الى الله بسرعة
" والذين اذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم".
نسيان الاستحواذ
يقول الامام ابن القيم :"خلق ابن آدم من الأرض وروحه في ملكوت السماء وقرن بينهما فاذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه بالحزم وجدت روحه خفة وراحة فتاقت الى الموضع الذي خلقت منه واشتاقت الى عالمها العلوي واذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته أخلد البدن الى الموضع الذي خلق منه فانجذبت الروح معه فصارت في السجن فلولا أنها ألفت السجن لأستغاثت من
ألم مفارقتها وانقطاعها من عالمها الذي خلقت منه كما يستغيث المعذب".
ومتى تظهر عتامة الطين الذي خلق منه الانسان ؟
ومتى ترى الانسان ذا البشرة البيضاء كأنها سوداء ؟
ومتى ترى الابتسامة كأنها عبوس والضحك كأنه بكاء ؟
ترى ذلك كله عندما الشيطان ينسى هذا الانسان العنصر الآخر الذي خلق منه " نفخة من روح الله".
" استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله".
ينسيه خالقه الذي صوره وأحسن تصويره ويسعى عدو الله سعيا حثيثا لتبخير كل ما علق فيه من ذرات من ذكر الله حتى يحيله الى طينة يابسة لا حياة فيها وذلك ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر الله مثل الحي والميت ".
وكما قيل :فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور.
يحيله الى أعمى لا يرى طريقه يتخبط خبط عشواء لا يدري أين يسير ولا الى أين يسير كما قال تعالى:
" ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال ربي لما حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا. قال: كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى".
فهو كما كان أعمى عن الحق في الدنيا كذلك يجعله الله أعمى في الآخرة.
ويستخدم عدو الله وسائل كثيرة لتحقيق هذا المدخل منها ما ذكر بالقرآن الكريم كالخمر والميسر قال الله تعالى:
" انما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة".
وأحيانا يستخدم المال والأبناء قال تعالى:
" يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون".
وحتى نتقي هذه النزغات وغيرها يجدر بنا معرفتها وكيف تتم. وهذه أمثلة من هذه النزغات.
النزغات
النزغ من أهم وأخطر الفقرات في الخطة الشيطانية ذلك لأنه يخفى على الكثير وتترتب عليه نتائج خطيرة على الدعوة والدعاة. ويستخدم الشيطان لتحقيق هذا المدخل وسيلتين وهما اللسان والأفعال.
أما اللسان فهو أهمهما فيه تتكون وتتجمع تلك النزغات في النفوس لذا قال الله تعالى:
" وقل لعبادي يقولوا التي هي احسن ان السيطان ينزغ بينهم ان الشيطان كان للانسان عدوا مبينا".
وهو من أخطر المناطق في جسم الانسان وبسببه يسعد السعداء بالجنة ويشقى الأشقياء بالنار " سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن العمل الذي يدخله الجنة ويباعده عن النار فأخبره صلى الله عليه وسلم برأسه وعموده وذروة سنامه ثم قال الا أخبركم بملاك ذلك كله؟
قال بلى يا رسول الله فأخذ بلسان نفسه ثم قال كف عليك هذا فقال وانا لمؤاخذون بما نتكلم به فقال ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على وجوههم او على مناخرهم الا حصائد السنتهم". ان تطهير اللسان من الآفات والتثبت قبل القول ووزن الكلام قبل التكلم به امر ذو شأن اذ به تضمن الجنة كما قال صلى الله عليه وسلم:
" من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة"وكان ابن مسعود يقول ما على وجه الارض شيء احوج الى طول سجن من لسان.
والامثلة على ان تكون هذه النزغات في النفوس بسبب اللسان كثيرة منها ما ينزغ في نفس احدهم عند سماعه لعالم دين فيقول له :" أظهر له انك اعلم منه" فيدفعه ذلك لمناقشته اظهارا لعلمه الذي يعلم او تصيد أخطائه ليخبره بها امام الناس ويظهر لهم انه عالم وربما يتكون بسبب ذلك الجدل العقيم ان ينفر كثير من الناس من الاسلام وهذه احدى نتائج ضلال الامة كما قال صلى الله عليه وسلم:" ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه الا أتوا الجدل"...
ومنها ما ينزغ في بعض النفوس عندما يكشف لهم البعض عن عيوبهم وينصحونهم بتركها فيقول له:
" مثلك لا ينصح وكيف تتقبل هذه النصيحة وانت اعلم من الناصح" او يقول له:" كيف تتقبل هذه النصيحة من الذي اصغر منك سنا" فيجعله يخاصم الناصح ولا يكلمه او يجعله يكره ان يراه او يمشي معه...
قال ابن عقيل:" كان ابو اسحاق الخزاز صالحا وهو اول من لقنني كتاب الله وكان من عادته الامساك عن الكلام في شهر رمضان فكان يخاطب بآي القرآن فيما يعرض له من الحوائج فيقول باذنه"ادخلوا عليهم الباب"
ويقول لابنه في عشية الصوم" من بقلها وقثائها" آمرا له ان يشتري البقل فقلت له هذا الذي تعتقده عبادة هو معصية فصعب عليه فقلت: ان هذا القرآن العزيز أنزل في بيان أحكام شرعية فلا يستعمل في أغراض دنيوية فهجرني ولم يصغ الى الحجة"...
ومن نزغاته على بعض الناس انه" اذا دعي الى طعام قال: اليوم الخميس ولو قال أنا صائم كانت محنة" وانما قوله اليوم الخميس معناه اني أصوم كل خميس ومن هؤلاء من يرى الناس بعين الاحتقار لكونه صائم وهم مفطرون.
وما نزغ في نفوس البعض" من قوامي الليل فتحدثوا بذلك بالنهار فربما قال احدهم:فلان المؤذن أذن بوقت ليعلم الناس انه كان منتبها فأقل ما في هذا ان سلم من الرياء أن ينقل من ديوان العلانية فيقل الثواب"
ومنها ما ينزغ في نفوس بعض الدعاة من الانتصار للنفس اذا ما واجهوا بعض الشتائم والكلام القبيح من الجهال كما حدث ذلك لعمر بن عبد العزيز لولا أنه تذكر أنه في حالة غضب فخشي ان ينتصر لنفسه فقال للرجل:
" لولا أني غضبان لعاقبتك"
وصنف آخر من الدعاة ينزغ في أنفسهم العجب بالنفس بما يقومون به من واجبات الدعوة فانه " اذا انكر جلس في مجمع يصف ما فعله ويتباهى به ويسب اصحاب المنكر سب الحنق عليهم ويلعنهم ولعل القوم قد تابوا وربما كانوا خيرا منه لندمهم وكبره ويندرج بحديثه كشف عورات المسلمين. والستر على المسلم واجب مهما امكن فأما العالم اذا انكر فانت منه على امان وقد كان السلف يتلطفون بالانكار وراى صلة بن أشيم رجلا يكلم امرأة فقال ان الله يراكما سترنا الله واياكما. وكان يمر بقوم يلعبون فيقولك:" يا اخواني ما تقولون فيمن اراد سفرا فنام طول الليل ولعب طول النهار متى يقطع سفره فانتبه رجل منهم فقال يا قوم انما يعنينا هذا فتاب وصحبه.
ومنها ما يلقي في نفوس بعض الناس من الكبر فاذا سئل احدهم سؤالا لا يعرف له اجابة نزغ في قلبه الشيطان قائلا:" سيقول عنك انك جاهل لا تعلم اذا لم تجبه" فيجعله يفتي من هوى نفسه فيضل ويضل." وقال عبد الله ابن المبارك: حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب عن عبد الرحمن بن ابي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - أراه قال في المسجد - فما كان منه محدث الا ود ان اخاه كفاه الحديث ولا مفت الا ود ان اخاه كفاه الفتيا وقال مالك عن يحيى بن سعيد قال : قال ابن عباس : ان كل من افتى الناس في كل ما يسألونه عنه لمجنون - وقال سحنون بن سعيد:
أجسر الناس على الفتيا أقلهم علما يكون عند الرجل الباب الواحد من العلم يظن أن الحق كله فيه".
ومنها ما ينزغ في قلوب البعض عندما يسمع من أخيه كلمة أراد بها مزاحا أو قصدا حسنا يلقي في نفسه" ان فلانا قصد بهذه الكلمة كذا وكذا" مما يجعله يظن الظنون السيئة بأخيه ويؤول الكلام بأكثر مما يحتمل فيحقد على أخيه ويغتابه في نفسه وربما كان ذلك داعيا الى هجره...
ومنها ما ينزغ في نفوس بعض " من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه فلبسن عليه ابليس انك من جملة الموصوفين بذلك لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق"...
أما الأفعال التي تسبب النزغات فهي أيضا كثيرة لا حصر لها منها ما يلقي في بعض النفوس من العجب بالنفس عندما يلبسون الجديد...
ومنها ما ينزغ في نفوس البعض عندما يتعلم مهنة معينة أو لعبة رياضية فما تتهيأ فرصة الا ونزغ الشيطان في نفسه أن "أرهم أنك عليم بذلك".
ذلك الأمر الذي يحرم صاحبه من الأجر فليس له مما قام فيه سوى التعب. وكما جاء في الحديث الصحيح القدسي يقول الله تعالى:" أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه".
ومنها ما ينزغ في نفوس بعض الدعاة أنه اذا رأى فعلا منكرا من صاحبه قال له:" لا تنصحه فلربما يغضب من ذلك فتفقد بذلك صحبته" فيمنعه بذلك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ومن نزغاته عللى البعض اذا هم بنصيحة عالم لرؤيته فعلا منكرا منه يقول له:" أتنصح من هو أعلم منك بأمور الدين أتنصح عالما فيمنعه من نصيحته وبهذا تعم البلوى.
ومنها أنه اذا كان المسلم في جمع من الناس ورأى فقيرا وهم أن يعطيه نزغ في نفسه" أترائي أمام الناس أتعطي ليقال عنك محسن" فيمنعه من الانفاق.
ومنها ما نزغ في نفوس بعض الدعاة بأن العبوس من الجد فلا تجد الابتسامة على وجوههم الا ما نذر الأمر الذي يؤدي الى نفور كثير من العامة من دعوة الحق بسبب ذلك العبوس الذي يظنونه جزءا من الدين.
وتتجمع هذه النزغات وكثيرا غيرها على الداعية لترديه قتيلا- كأنها سهام تصوبها الشياطين على أجساد الدعاة لتشل من حركتهم ولتجعلها غير خالصة لله سبحانه ومن ثم لا تقبل.
التخويف بالفقر
وكما أن هذه الدعوة تحتاج الى التضحية بالنفس لكي تنتشر كذلك فهي محتاجة الى التضحية بالمال سواء بسواء ولذلك كانت البيعة التي عقدها الله مع المؤمنين متكونة من هذين العنصرين النفس والمال الذين بهما يتم انتشار دعوة الحق وانتصارها والفوز بالجنة فاذا نقض
أحد العنصرين من البيعة كانت بيعة ناقصة.
ويأتي عدو الله هنا ليفسد هذه البيعة فيلقي بالنفس الخوف من الفقر" الشيطان يعدكم الفقر". وذلك عندما يهم المسلم بالانفاق في سبيل الله أو اذا طلب منه ذلك يوهمه بأن ذلك سينقص من ماله وانه محتاج لذلك المال ويعرض له الأدلة من القرآن" لا يكلف الله نفسا الا وسعها" الى آخر هذه الهمزات التي تجعله يعدل عن الانفاق في سبيل الله وبذلك يفسد بيعته مع الله.
وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم جزاء المنفقين في سبيل الله والذين لا يخافون الفقر فقال:
" من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه ( الجحش أو المهر فطما ) حتى تكون مثل الجبل هكذا تشربت هذه المعاني في قلوب الرعيل الأول وهكذا فهموا الاسلام حتى ينفق أحدهم كل ماله في سبيل الله عندما طلب منه المال ويسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا أبقيت لأهلك يقول أبقيت لهم الله ورسوله هؤلاء الذين صدقوا البيعة فنالوا من الله ما نالوا تقف أمامهم مداخل الشيطان وألاعيبه كأنها هباءة بل لا تساوي هباءة أمام ايمانهم الشامخ.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمهم دائما كيف يحافظون على البيعة التي عقدوها مع الله فما أن يرى أي اعوجاج في أحد العنصرين الا عدله فيهم ولقد دخل عليه الصلاة والسلام على بلال وعنده صبر من تمر
( الطعام المجمع مثل الكومة ) فقال:" ماهذا يا بلال؟ قال:أعد ذلك لأضيافك قال: أما تخشى أن يكون لك دخان من نار جهنم أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش اقلالا
نعم أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش اقلالا- أنفق يا داعية الاسلام في كل مكان ولا تخش الفقر ولا تخش من ذي العرش اقلالا.
فلا تخافوهم
ويوما بعد يوم يزداد الباطل وتكثر عدته وتزداد أعداده ويبدو مرعبا ذلك الازدياد وهذه التطورات بتصنيع الاسلحة المدمرة والأجهزة الاعلامية الضخمة التي يملكها الباطل.
ولربما تسرب شيء من الخوف الى نفس المؤمن من ذلك الباطل الضخم ولكن الله يرد تلك المخاوف بقوله:" انما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين ".
فالمؤمن متيقن أن ذلك التضخم الذي حدث للباطل انما هو أورام ذات غشاء رقيق مليئة بالميكروبات الخبيثة جاءت غازية لذلك الجسم السليم فكلما زاد حجم هذه الأورام كلما دنا أجل انفقاعها ويخرج ذلك القيح النتن بعد الانفقاع ويعود الجسم الى حالته السليمة.
فلا يخاف الا من الله ولا تروعه أعمال الباطل الكثيرة ما دام متمسكا بالحق في عصبة الحق ويراها دائما ط كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء".
أما هو فليس من هؤلاء الظمآى الذين يرون السراب كأنه ماء وذلك بتسليمهم للمخاوف التي يلقيها الشيطان في نفوسهم فينغرس الوهن فيهم - فلا يخافهم أحد.
أما المؤمن فيرى تضخمهم أوراما وأعمالهم سرابا ولئن حاول عدو الله تخويفه بأوليائه من الباطل تذكر قول الله تعالى:" انما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين".
الأماني الكاذبة
يعد الشيطان أولياءه بأنه لا جنة ولا نار أو يهون النار على قلوبهم فلا يخافونها ولا يقدرونها حق قدرها فيجترئون على المعاصي ويمنيهم النجاة من عاقبة أعمالهم ويزرع في قلوبهم أن اعملوا ما شئتم من المعاصي فان لكم ربا غفورا وينسون أنه شديد العقاب.
كما أنه يمني بعض الدعاة بملاذ الدنيا من الأولاد والتجارة وطلب الرياسة فيتركون الدعوة ويستسلمون لهذه الأماني التي تجذبهم الى الأرض فينسون السماء
ونستلذ الأماني وهي مردية كشارب السم ممزوجا مع العسل.
" يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا".
الاستهواء
عندما يلتزم الداعية بالحق ويعتز به ليصدع في وجه الباطل عندها لا يخشى في الله لومة لائم وحينئذ يخاف أصحاب الباطل من أن يفضحهم لذلك يجتمعون عليه لكي لا تذهب عروشهم وهذا مما يدعوهم لأن يعرضوا عليه مفاتن الدنيا من " مال ونساء ومنصب" هدفهم أن يصرفوه عن الحق الذي استمسك به أو يقرهم على باطلهم فيصبح كل داعية مخلص في أوجههم.
"أندعو من دون الله ما لا ينفعنا ولا يضرنا ونرد على أعقابنا بعد اذ هدانا الله كالذي استهوته الشياطين في الأرض حيران له أصحاب يدعونه الى الهدى ائتنا قل ان هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم لرب العالمين ".
أتأمروننا أن نرجع الى الوراء بعد أن صعدنا المرتفع -بعد أن شممنا الهواء النقي الخالي من التلوث ونكون كالذي استهوته الشياطين ؟
هذا الاستهزاء هو مدخل من مداخل عدو الله ابليس ويتم بصورة جماعية - الشياطين تتجمع على ابن آدم لتسلبه
عقله وهواه اذا ما ذاق قليلا أو كثيرا من طعن الايمان والعيش مع عصبة الحق ثم اشتاق الى الضلال ثانية ورجع اليه بسبب ذلك الاستهواء.
هذا النسان لم تتركه عصبة الحق فما زالت تدعوه الى الحق" ائتنا" وما زالت الشياطين تدعوه الى الباطل الأمر الذي يجعله حيران بين الدعوتين من يلبي أو تجعله كاكسيح لا يستطيع حراكا لا الى هنا ولا الى هناك هذه الحيرة تلزم القلب فتجعله في عذاب نفسي شديد وهي اخطر مرحلة يمر بها الانسان حيث ان بعدها يتحدد مساره الذي يسلك فاما مع الحق واما مع الباطل ولقد مررت بشيء من هذه المعاناة وهذه الحيرة ولم استقر ولم تبتعد تلك الذبذبات التي اخترقت قلبي عني حتى اخترت الحق لي منهجا في الحياة...
الايحاء بالمجادلة
جاء رجل الى ابن عباس فقال: يا ابن عباس زعم ابو اسحاق انه اوحي اليه الليلة فقال ابن عباس: صدقت فنفرت وقلت يقول ابن عباس صدق؟ فقال ابن عباس:
هما وحيان وحي الله ووحي الشيطان فوحي الله الى محمد صلى الله عليه وسلم ووحي الشيطان الى اوليائه ثم قرأ
" وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم"وانهم يوحون اليهم ذلك ليجادلوا اصحاب الحق في الحق الذي معهم وليشككوا فيه لكي يتزعزع ايمان المؤمن بعقيدته
وان الشياطين ليوحون الى اوليائهم ليجادلوكم وان "اطعتموهم انكم لمشركون"...
والجدل يبغضه الاسلام الا في حالات الدعوة وتكون ايضا مقيدة بشرط وهو الالتزام بالادب الاسلامي وعدم الخروج منه حيث قال الله تعالى:
" وجادلهم بالتي هي احسن" اما ما عدا ذلك فهو مبغوض في الاسلام لانه غالبا ما تكون عاقبته سيئة.
كما انه ليس من صفات الداعية المخلص الحرسص على كل لحظة ولفظة في حياته ان لا تضيع هباء دون فائدة تجنى.
وكان جدالهم لاصحاب الحق في الجاهلية القديمة في اكل الميتة والشرك وان الملائكة بنات الله وان كلام الله سحر.
اما الجاهلية الحديثة فجدالهم لاصحاب الحق في عدم تناسب احكام القرآن مع هذا التقدم الحضاري وعن القسوة في الحدود الاسلامية الى ما شابه ذلك من تفاهات ولئن استسلم بعض الدعاة الى تلك الحجج الواهية وايدهم واطاعهم فصل من كتيبة الدعاة وخرج من حصن الاسلام" وان اطعتموهم انكم لمشركون"
وجدل من نوع آخر يكون في صفوف الدعاة وصفة عدو الله ليفكك رباطهم ويزرع الكراهية بينهم ليتلهوا به ويتركوا الهدف وذلك ما يبغي عدو الله.
وهي زلات يقع بها الدعاة فان الامام الاوزاعي قد احصاها فوجدها خمس زلات قبيحات تزيد الخير قبحا فقال " دع من الجدال ما يفتن القلب وينبت الضغينة ويخفي القلب ويرق الورع في المنطق والفعل".
وهذا اثقال واضح واضح لكفة الشمال في ميزان المتجادل ينبي عن خسارة والعياذ بالله خسارة يصعب معها الرجاء اذا اقترنت بلجاجة واعجاب اذ تتم حينذاك كما رآها التابعي بلال بن سعد فقال:" اذا رايت الرجل لجوجا متماديا معجبا برايه فقد تمت خسارته" وقول خبير ليس بكاذب ولا مبالغ" فلا عجب اذا من قول الرسول صلى الله عليه وسلم:" أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وان كان محقا".
تحريم ما أحل الله
ولقد لبس ابليس على أهل الجاهلية بتحريم ما أحل الله من الأنعام بسبب خرافات غرسها في قلوبهم توارثوها عن آبائهم " كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام"
وعندما جاء الاسلام بتعاليمه السمحة والقوم حديثو عهد بالجاهلية كان ليس غريبا ان يفهم البعض بعض التعاليم فهما خاطئا فحرم فئة على انفسهم بعض ما احل الله ظنا التعاليم فهما خاطئا فحرم فئة على انفسهم بعض ما احل الله ظنا ان ذلك قربة الى الله وكان القائد الرسول صلى الله عليه وسلم يسمع هذه التصورات الغريبة عن روح الاسلام فكان يسد ذلك المدخل الشيطاني ويعدل الاعوجاج ففي الصحيحين عنه بلغة ان رجالا قال احدهم اما انا فأصوم ولا افطر وقال الاخر اما انا فأقوم لا انام وقال الاخر اما انا فلا اتزوج النساء وقال الاخر اما انا فلا آكل اللحم - فقال صلى الله عليه وسلم .
" لكنني اصوم وافطر واقوم وانام واتزوج النساء وآكل اللحم فمن رغب عن سنتي فليس مني".
وقد قال الله تعالى:" كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين".
هذا المدخل وقع فيه كثير من الشباب الصالح الذي خفي عليه هدى الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو خير الهدى" وكان خلقه في الاكل انه ياكل ما تيسر اذا اشتهاه ولا يرد موجودا ولا يتكلف مفقودا فكان ان حضر خبز ولحم اكله وان حضر فاكهة وخبز ولحم اكله وان حضر تمر وحده او خبز وحده اكله وان حضر حلو او عسل طعمه ايضا وكان احب الشراب اليه الحلو البارد وكان ياكل القثاء بالرطب فلم يكن اذا حضر لونان من الطعام يقول: لا آكل لونين ولا يمتنع عن طعام لما فيه من اللذة والحلاوة".
واما مجرد تعذيب النفس والبدن من غير منفعة راجحة فليس هذا مشروعا لنا بل امرنا الله بما ينفعنا ونهانا عما يضرنا وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح " انما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين"
وقال لمعاذ وابي موسى لما بعثهما الى اليمن
" يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا"
وقال" هذا الين يسر ولن يشاد الدين احد الا غلبه فاستعينوا بالغدوة واروحة وشىء من الدبلجة والقصد القصد تبلغوا"
اما تحريم ما احل الله بعذر مجاهدة النفس فهذا ليس من الحنيفية السمحة بشيء وهو اقرب الى الرهبانية ولا رهبانية في الاسلام وهو مدخل من مداخل الشيطان فليحذره جمهور الدعاة.
غرس اليأس
قال علي بن طلحة عن ابن عباس قال:
" نزل النبي صلى الله عليه وسلم حين سار الى بدر والمشركون بينهم وبين الماء رملة وعصة واصاب المسلمين ضعف شديد والقى الشيطان في قلوبهم الغيظ يوسوس بينهم تزعمون انكم اولياء الله تعالى وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وانتم تصلون مجنبين؟ فأمطر الله عليهم مطرا شديدا فشرب المسلمون وتطهروا واذهب عنهم رجز الشيطان"
يقول لهم:" وانتم تصلون مجنبين"
ومتى كان العدو ناصحا؟ انما هو ذلك التخطيط الشيطاني لغرس ذلك اليأس في قلوب عصبة الحق ومن الطبيعي انه يدخل اليهم من ذلك المدخل الايماني لكي يسهل عليه غرس اليأس والا اكتشفوه " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الاقدام"
وكل هزيمة لا بد وأن يسبقها هزيمة نفسية في قلوب المقاتلين عندئذ لا يكون للاسلاح قيمة ولولاها لأصبح النصر متعذرا لكلا الجانبين - هذا وقد حاول الشيطان أن يلقي في قلوب أهل بدر قبل لقائهم بعدوهم...
وقد يلقي في نفوس بعض الدعاة - كيف تنتصرون والجاهلية تملك ما تملك وأصحاب الحق قليلون وقد مرت سنون ولم يحدث تغيير وكلما خرجتم من السجون عدتم اليها - الى متى هذه الغربة.
هذا اليأس من النصر يدعو ذلك الداعية للتهور والتصرف الفردي مما يضع الدعوة في موضع بالغ الخطورة - ذلك لأن الدعوة كأنها السفينة التي تكلم عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم تسير في محيطات الجاهلية العميقة وعليها عصبة الحق فان أخطأ أحدهم وأراد أن يثقب ثقبا في أسفل السفينة ليحصل على الماء بسرعة ليوفر عليه وقت الصعود الى الأعلى وجلب الماء كما يظن غرق وغرقوا جميعا هذه الكارثة كلها تكون بسبب ذلك التصرف الفردي من أحد أفراد الدعوة الذي وضع ابليس اليأس في قلبه.
" ان بعض النفوس تستلذ اليأس وتعشق الظلام ولكن الأمل من حولها واسع والنور غامر. ولذلك وجبت هذه الرتبة الخفيفة على كتف المطرق المطأطىء الملتفت تنبهه الى سكينة قريبة منه لو تناوش وهالة جميلة فوقه لو رفع رأسه ونظر وهل هناك أسطع من هالة شمس هذه الدعوة التي هو فيها وأنصع بياضا وأشد لألأة ؟".
ولا بد أن توجد مثل هذه النوعيات التي تستلذ اليأس وتستسلم لنداء الشيطان في كل دعوة...
ولقد كان الامام البنا عليما بالدعوة فقيها بالنفوس ولا يفوت من يملك هذا الفقه ان في الجماعة فئة معرضة لهذا المدخل الشيطاني الخطير لذلك نادى هذه الفئة: لا تيأسوا فليس اليأس من أخلاق المسلمين وحقائق اليوم أحلام الأمس وأحلام اليوم حقائق الغد ولا زال في الوقت متسع ولا زالت عناصر السلامة قوية عظيمة في نفوس شعوبكم المؤمنة رغم طغيان مظاهر الفساد والضعيف لا يظل ضعيفا طول حياته والقوي لا تدوم قوته أبد الآبدين:
" ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض".
ان اليأس سلاح صغير من الأسلحة التي يستخدمها عدو الله في حربه مع الحق وانه لا يقارن بتلك الأسلحة الثقيلة التي يستخدمها الشيطان في معركة الاستفزاز والجلب.
الاستفزاز
معركة هائلة الغبار متطاير الرؤية تكاد ان تكون معدومة وأصوات الشياطين في كل مكان تنادي للباطل وتدعو اليه...
أصوات كثيرة لا حصر لها من تشكيك في القرآن وأفكار مستوردة ضالة وآراء شاذة ودعوات للأباحية وأغان هابطة.
نعيق مزعج ينادي في كل مكان على هذا الكوكب
" القضاء القضاء على الحق"" واستفزز من استطعت منهم بصوتك".
وخيول في كل مكان من أرض المعركة - خيول الباطل -تملأ الساحة تقدح الأرض بسنابكها وتعدو وتضج في صهيل عال للقضاء على الحق.
خيول مختلفة الأشكال والألوان من كتب وأفلام وخمور وميسر ومجلات وصحف ورجال باعوا أنفسهم للباطل والدعوة اليه رافعين أسلحتهم واضعين أصابعهم على الأزندة موجهينها للحق يريدون القضاء عليه
" واجلب عليهم بخيلك ورجلك"
هذه هي معركة الحق والباطل على مدار الزمان و
" هو تجسيم لوسائل الغواية والاحاطة والاستيلاء على القلوب والمشاعر والعقول فهي المعركة الصاخبة تستخدم فيها الأصوات والخيل والرجال على طريقة المعارك والمبارزات يرسل فيها الصوت فيزعج الخصوم ويخرجهم من مراكزهم الحصينة أو يستدرجهم للفخ المنصوب والمكيدة المدبرة فاذا استدرجوا الى العراء أخذتهم الخيل وأحاطت بهم الرجال ".
ولقد أثرت قنابل هذه المعركة فشوهت وجوها وأنارت وجوها وأماتت نفوسا وأحيت نفوسا ومن آثار هذا التشويه مشاركة الباطل في الأموال والأولاد.
المشاركة
وفي هذا المدخل يأمر الشيطان الناس بالانفاق في معصية الخالق فكل ما ينفق على الميسر والخمر والبغي والكتب الضالة أو اعانة العدو للقضاء على المسلمين والربا والغش وغيره يعتبر مشاركة للشيطان في الأموال.
ويسعى عدو الله للمشاركة بالأولاد بأن يجعلهم يسمون أولادهم بما لا يرضي الله كعبد العزى وعبد اللات بالماضي والآن عبد الحسن وعبد الحسين وعبد علي وعبد محمد الى آخر هذه الأسماء أو يجعلهم يدخلون أبناءهم بغير الدين الذي ارتضاه الله أو بالزنا بأمه أو قتله أو وأده وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" لو أن أحدهم اذا أراد أن يأتي أهله قال بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فانه أن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره الشيطان ابدا".
أما المؤمن فيرفض ابتداء أن يشارك الشيطان في كل شيء فهو يعلن المفاصلة في كل صلاة عندما يطلب من الله أن لا يجعله من المغضوب عليهم ولا الضالين ويعلنها قبل أن يأوي الى فراشه في صلاة الوتر عندما يقرأ سورة الكافرون ذلك لأنهم لا تصلهم سهام ابليس وهم في حصون الله المنيعة...
" وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان الا غرورا...ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا".
والمشاركة هي بداية ثم يعقبها الاستيلاء الكامل على الأموال والأولاد فتكون الأموال كلها في سبيل الطاغوت والأولاد يتحولون الى شياطين الانس ومن ثم يستخدم هؤلاء الشياطين في تفكيك الأسرة التي هي لبنات المجتمع وأكثر ما يسعى الى تفكيك الأسر الصالحة لأنها تعمل ضده في تلك المعركة الخالدة.
تفكيك الأسرة
ولقد علم يوسف عليه السلام في نهاية المطاف هذا المدخل عندما " رفع أبويه على العرش وخروا له سجدا".قال مخاطبا أباه:" هذا تأويل رؤياي من قبل قذ جعلها ربي حقا وقد أحسن بي اذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين اخوتي ان ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم الحكيم".
هذا هو شأنه دائما تفكيك كل شيء يتجمع لأن بالجمع قوة وبالانفراد ضعف فهو يحب أن يقود الناس الى الهاوية - فأكثر ما يهمه هو تفكيك الأسرة - هذا هو الذي يهدده ويهدد باطله وخاصة اذا صلح - قال صلى الله عليه وسلم:" ان ابليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة يجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته قال فيدنيه منه ويقول نعم أنت"
واذا تحطمت هذه الخلايا الطيبة تحطم المجتمع وتفكك وهذا ما نراه في هذا الزمان - لقد فككت معظم الأسر - الأمر الذي سبب هذا التفكك في المجتمع كله - ذلك بأنه يثير الفتنة بين وحداتها فينفخ الكبرياء في بعضهم ليجعله يتعالى ويتجبر على الآخرين - وهل يصمت الآخر على هذا التصرف الشاذ ؟ وينفخ نفخة الحسد في قلب أحدهم فيشتعل نارا ملتهبة في وجه أخيه لا يحبه ويتمنى له كل شر - وعندما يشعر الآخر بهذا التصرف الشاذ هل يصمت ؟ انه يهمز وينفخ وينفث بين أفراد الأسرة الواحدة لكي يذيب تلك المادة التي تلصقهم ببعض.
والداعية الصادق هو الذي يشعر بهذه اللعبة الخطيرة والمدخل الخبيث ومن ثم فهو يعالجه معالجة ناجحة تنبع من الايمان - لا يتبع رغبة نفسه بحب الانتقام للنفس اذا صادف معاملة شاذة أو تصرفا غريبا من أحد أفراد الجماعة الصالحة انما يعامله دائما معاملة المؤمن الواعي ليبين مدى خطورة حركة ابليس التي تهدف الى تحطيم الخلايا ثم المجتمع كله - ولا يغضب ابدا الا الله وهكذا فعل يوسف عليه السلام لم ينتقم ولم يغضب والله هو الذي سير الأمور كما يحب ويرضى...
الغضب
دخل موسى عليه السلام المدينة فوجد رجلان يقتتلان أحدهما من بني اسرائيل والآخر قبطي فاستغاثه الذي هو من قومه وهو الاسرائيلي على عدوه.
وهنا تدخل عدو الله ليلقي الغضب في نفس موسى فما أن دعاه صاحبه واستنصره حتى هوى بقبضة يديه على القبطي فصرعه - ولم تكن فترة تفكير أو تأني من موسى
انما ضرب عدوهما بمجرد استغاثة صاحبه به
" فاستغاثه الذي هو من شيعته على الذي من عدوه فوكزه".
وبعد أن رأى موسى القبطي قتيلا أدرك أن ذلك من عمل الشيطان فقال:" هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين".
اذا فالغضب نوعان: غضب الله وهذا من ثمرات الايمان اذ أن الذي لا يغضب لله اذا انتهكت محارمه يكون ايمانه ضعيفا...
والغضب الآخر: الغضب لغير الله كأن يكون للنفس أو الجنس أو الوطن أو العشيرة الخوهذا النوع الثاني من الغضب هو الذي يسببه عدو الله وهو مدخل من مداخله اذ به تحدث الجرائم وتتفكك